تجد الصين نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لاستراتيجيتها طويلة المدى في مجال أمن الطاقة، بعدما أدت الحرب المرتبطة بإيران إلى اضطراب أسواق النفط العالمية وتهديد حركة الشحن في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
وكشفت مصادر إعلامية أميركية أن بكين أمضت سنوات في الاستعداد لمثل هذا السيناريو، إذ سعت إلى تقليل اعتماد اقتصادها على النفط المستورد من الشرق الأوسط عبر مجموعة من السياسات تشمل بناء احتياطيات ضخمة من النفط، وتنويع مصادر الطاقة، وتسريع التحول إلى السيارات الكهربائية.
وجاءت الحرب الأخيرة لتضع هذه الاستراتيجية تحت الاختبار، خصوصاً بعدما سعت إيران إلى تعطيل حركة شحن الطاقة عبر مضيق هرمز، الذي يربط بين كبار منتجي النفط مثل السعودية وبين الأسواق الآسيوية.
وعلى الرغم من أن الصين تعد أكبر مستورد للنفط في العالم من حيث الحجم الإجمالي، فإن اعتمادها على هذا الممر الحيوي أقل من اقتصادات آسيوية أخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية.
واعتبرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الإجراءات التي اتخذتها الصين خلال السنوات الماضية منحتها هامش أمان أكبر في مواجهة اضطرابات الإمدادات. فقد عملت بكين على زيادة إنتاجها المحلي من النفط، وفي الوقت نفسه عززت استخدام السيارات الكهربائية للحد من استهلاك الوقود التقليدي.
كما أقامت الصين شراكات طاقة أعمق مع روسيا، ما ساعدها على تقليص اعتمادها النسبي على إمدادات الشرق الأوسط. وإلى جانب ذلك، راكمت البلاد احتياطيات نفطية ضخمة يقدر حجمها بأكثر من 1.2 مليار برميل، وهو ما يكفي لتغطية وارداتها لمدة تصل إلى نحو مئة يوم أو أكثر.
وتشير بيانات الجمارك الصينية إلى أن واردات البلاد من النفط الخام ارتفعت بنحو 16 في المائة خلال أول شهرين من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في خطوة يراها مراقبون دليلاً على استمرار بكين في تعزيز مخزونها الاستراتيجي قبيل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
وتقول ميشال ميدان، الباحثة في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، إن هذه السياسة منحت الصين “هامشاً كبيراً من الحماية” في مواجهة صدمات سوق الطاقة.
لكن ذلك لا يعني أن بكين بمنأى عن تداعيات الأزمة. فاستمرار الاضطرابات في مضيق هرمز قد يرفع تكاليف الطاقة ويزيد الضغوط على الاقتصاد الصيني الذي يواجه بالفعل تحديات في النمو. كما قد تتعرض بعض القطاعات الصناعية والبتروكيماوية لضغوط نتيجة نقص محتمل في إمدادات الغاز الطبيعي المسال.
وشهدت أسعار النفط العالمية تقلبات حادة منذ بداية الأزمة. فقد ارتفع سعر خام برنت في البداية إلى نحو 120 دولاراً للبرميل قبل أن يتراجع لاحقاً إلى حوالي 90 دولاراً.
وتأتي سياسة الصين في مجال الطاقة ضمن استراتيجية أوسع يقودها الرئيس شي جين بينغ تهدف إلى تعزيز الاعتماد على الذات وتقليل التعرض للصدمات الخارجية. وتشمل هذه الاستراتيجية قطاعات متعددة، من التكنولوجيا المتقدمة إلى الزراعة، حيث تسعى الحكومة إلى إنتاج أكبر قدر ممكن من احتياجاتها محلياً حتى لو كان ذلك أكثر كلفة مقارنة بالاستيراد.
وفي قطاع الطاقة تحديداً، تعتمد الصين على مزيج من المصادر المحلية. فهي تمتلك احتياطيات كبيرة من الفحم تستخدمها لتوليد الكهرباء، كما طورت سلسلة صناعية واسعة لإنتاج الألواح الشمسية وتوربينات الرياح.
ويُعد أكبر نظام كهربائي في العالم أحد العناصر التي تساعد البلاد على دمج هذه المصادر المختلفة ضمن شبكة وطنية واحدة.
ورغم التحول المتسارع نحو السيارات الكهربائية، يتوقع خبراء أن يبلغ الطلب الصيني على النفط ذروته خلال السنوات القليلة المقبلة قبل أن يستقر بدلاً من أن ينخفض بسرعة، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية. وهذا يعني أن الصين ستظل مرتبطة بإمدادات الشرق الأوسط لفترة غير قصيرة.
ومن الناحية الجيوسياسية، قد تدفع الحرب الحالية الصين إلى تعزيز علاقاتها مع القيادة الجديدة في طهران، وهي شريك مهم لبكين في المنطقة منذ سنوات. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يؤدي استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط إلى زيادة اعتماد الصين على روسيا كمورد رئيسي للطاقة.
ومن بين المشاريع التي قد تكتسب زخماً أكبر في هذا السياق مشروع خط أنابيب الغاز “قوة سيبيريا 2” الذي يهدف إلى نقل الغاز الروسي إلى الصين. ويرى محللون أن هذا المشروع قد يثير مخاوف من اعتماد مفرط على موسكو، لكن استمرار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط قد يدفع بكين إلى إعطاء الأولوية لتأمين الإمدادات.
ويقول خبراء في قطاع الطاقة إن التطورات الأخيرة قد تعزز قناعة القيادة الصينية بضرورة المضي قدماً في استراتيجية الاعتماد على الذات في مجال الطاقة. فالهجوم على إيران، بحسب بعض المحللين، قد يُنظر إليه في بكين باعتباره دليلاً إضافياً على هشاشة الأسواق العالمية والحاجة إلى تقليل الاعتماد على مصادر خارجية.
وفي هذا السياق، يرى نيل بيفريدج، المتخصص في قطاع الطاقة الصيني لدى مؤسسة “بيرنستين للأبحاث”، أن الأحداث الأخيرة قد تمنح صناع القرار في بكين شعوراً بأن سياساتهم كانت في الاتجاه الصحيح. ويضيف أن الأزمة الحالية ستدفع الصين على الأرجح إلى تسريع جهودها لتعزيز أمنها الطاقي وتقليل تعرض اقتصادها للاضطرابات الدولية.
المصدر:
هسبريس