أثار مقال نشره كريستوفر روس، المبعوث الشخصي السابق للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، نقاشا جديدا حول مسألة تقرير المصير في نزاع الصحراء المغربية، خاصة بعد استحضاره تجربة الجمعية التقليدية الأفغانية المعروفة باسم “Loya Jirga” باعتبارها نموذجا لاتخاذ قرارات مصيرية دون اللجوء إلى آلية الاستفتاء.
وأوضح روس في مقاله أن الاستفتاء ظل الأداة الأكثر استخداما في مسارات تقرير المصير، غير أن التجارب الدولية أظهرت أيضا إمكانية اعتماد صيغ أخرى للتعبير عن الإرادة الجماعية للشعوب. وفي هذا الإطار استحضر الوسيط الأممي تجربة الجمعية التقليدية في أفغانستان، التي لعبت دورا تاريخيا ومحوريا في اتخاذ قرارات مصيرية خلال فترات التحول والأزمات، من خلال جمع زعماء القبائل والأعيان للتوصل إلى توافقات وطنية.
هذا الطرح أعاد إلى الواجهة النقاش حول دور البنيات الاجتماعية التقليدية داخل المجتمع الصحراوي، خاصة مؤسسة شيوخ القبائل التي شكلت عبر التاريخ إحدى آليات التوافق وحل النزاعات داخل الإقليم. وتفيد معطيات مرتبطة بجولات المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا بأن لقاءاته السابقة مع شيوخ القبائل الصحراوية بمدينة العيون ركزت على أهمية إشراك هذه المكونات في التفكير في مداخل الحل، بالنظر إلى وزنها الاجتماعي والتاريخي في المنطقة.
وفي ظل استمرار التباين بين مواقف الأطراف المعنية يظل البحث عن صيغ جديدة لتجسيد مبدأ تقرير المصير أحد أبرز التحديات التي تواجه المسار السياسي للنزاع. فبينما يتمسك المغرب بمبادرة الحكم الذاتي كإطار للحل تواصل جبهة البوليساريو التشبث بخيار الاستفتاء، الأمر الذي يجعل النقاش حول آليات بديلة أو مكملة لتقرير المصير جزءا من الجهود الرامية إلى كسر حالة الجمود التي تطبع هذا الملف منذ عقود.
وفي هذا الصدد قال الحاج أحمد باريكلى، السكرتير الأول لحركة “صحراويون من أجل السلام”، إن الخرجة الإعلامية الأخيرة للمبعوث الأممي السابق إلى الصحراء تندرج في سياق النقاش المتجدد حول سبل تجاوز حالة الجمود التي تطبع مسار التسوية السياسية للنزاع، غير أنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات بشأن توقيتها وجدواها، بالنظر إلى أن صاحبها كان في موقع المسؤولية لسنوات طويلة دون أن يتمكن من الدفع بالعملية السياسية نحو اختراق ملموس.
وأوضح باريكلى، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن استحضار بعض التجارب الخارجية لمحاولة إيجاد مخرج للنزاع لا ينبغي أن يتم بمعزل عن الخصوصيات التاريخية والاجتماعية للقضية الصحراوية، مضيفا أن “المقارنة بين تجارب مختلفة قد تبدو مغرية من الناحية النظرية، لكنها تفقد معناها عندما لا تراعي الفوارق العميقة بين السياقات المختلفة”.
ولفت المتحدث ذاته الانتباه في هذا السياق إلى أنه “من المسافة التي يتيحها الاعتزال الدبلوماسي، ومع ثقل إخفاق يلازم التجربة السابقة، لم يجد كريستوفر روس فكرة أفضل من استيراد تقليد قبلي بشتوني من جبال تورا بورا، في محاولة لمعالجة القضية الصحراوية، من دون أخذ السياقات التاريخية والاجتماعية بعين الاعتبار، وهي سياقات تبرز بوضوح الفوارق الكبيرة بين الواقعين”.
وحمل الفاعل المدني نفسه جبهة “البوليساريو” جزءا مهما من مسؤولية استمرار حالة الانسداد السياسي، مؤكدا أن إقصاء الأصوات الصحراوية الأخرى واحتكار التمثيل السياسي طوال عقود ساهما في تعقيد المشهد وإضعاف فرص التوصل إلى تسوية واقعية ومتوازنة.
وأضاف باريكلى أن المجتمع الصحراوي يمتلك تقاليد راسخة في التشاور والتوافق القبلي، ما يجعله قادرا على إنتاج آليات للحوار الداخلي إذا توفرت الإرادة السياسية وتم فتح المجال أمام مختلف المكونات الصحراوية للمشاركة في النقاش حول مستقبل القضية، وتابع شارحا: “إن أي مقاربة جدية لتسوية النزاع ينبغي أن تنطلق من الاعتراف بتعددية المجتمع الصحراوي وعدم اختزاله في طرف واحد”، معتبرا أن إشراك مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين يظل شرطا أساسيا لبناء حل قابل للاستمرار ويحظى بقبول أوسع داخل الأوساط الصحراوية.
وكشف المصرح ذاته لأول مرة أنه سبق أن نقل هذه الفكرة بشكل مباشر إلى المبعوث الشخصي الحالي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء ستفان دي ميستورا، خلال لقاء جمعهما في بروكسل نهاية شهر يوليوز من السنة الماضية، حيث نصحه بضرورة توسيع دائرة المشاورات وعدم الاكتفاء بالأطراف التقليدية في العملية السياسية.
وأكمل الحاج أحمد باريكلى حديثه لهسبريس بتأكيده أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة التفكير في أساليب التعاطي مع هذا الملف، من خلال تشجيع حوار صحراوي–صحراوي حقيقي يتيح لمختلف التيارات التعبير عن رؤاها، بما يمهد الطريق أمام تسوية سياسية واقعية تنهي حالة الجمود وتضع حدا لنزاع طال أمده.
من جانبه يرى أحد شيوخ القبائل الصحراوية أن مؤسسة شيوخ القبائل الصحراوية شكلت عبر التاريخ إحدى الآليات الأساسية للتوافق وحل النزاعات داخل الإقليم، مبرزا أن التجارب السابقة أظهرت قدرة هذه المؤسسة على إدارة الخلافات الداخلية وتحقيق استقرار اجتماعي ملموس، وهو ما يجعل إشراكها ضروريا في أي مبادرة لحل النزاع.
وأوضح المتحدث، الذي آثر عدم ذكر اسمه، أن اللقاء السابق مع المبعوث الأممي ستفان دي ميستورا ركز على أهمية إشراك هذه المكونات في التفكير في مداخل الحل، بالنظر إلى وزنها الاجتماعي والتاريخي داخل المنطقة، وقال إن “مثل هذه اللقاءات تمثل فرصة لتسليط الضوء على المعرفة التقليدية في إدارة الخلافات، وتأكيد دور الشيوخ في التمثيل الاجتماعي للقبائل والمجتمعات المحلية”.
وأورد المصدر نفسه، في تصريح لهسبريس، أن المغرب اهتم بهيكلة هذه المؤسسة وبتقوية حضور الشيوخ وأبنائهم ضمن آليات الإدارة المحلية والتشاور المجتمعي، وهو ما عزز من مكانتهم وقدرتهم على المساهمة في العملية السياسية بفاعلية، لافتا إلى أن “هذا الاهتمام يؤكد الاعتراف بالدور التاريخي للشيوخ في الحفاظ على وحدة المجتمع الصحراوي وتحقيق التوازن بين مختلف الأطراف”.
كما أكد المتحدث أن إشراك الشيوخ في أي عملية سياسية أو دبلوماسية يوفر قاعدة من الشرعية الاجتماعية، ويجعل المبادرات أكثر قابلية للتطبيق على الأرض، مقارنة بمحاولات الإقصاء أو الاعتماد على تمثيل محدود لمكونات المجتمع، مشيرا إلى أن “المؤسسة تمثل مرجعية لا غنى عنها لتفسير الديناميات الاجتماعية والسياسية المحلية”.
وخلص المصرح لهسبريس إلى أن إعادة الاعتبار لمؤسسة الشيوخ تعد عنصرا جوهريا في بناء الحلول المستدامة، مشددا على أن إشراكها يمثل ضمانة للتوازن الاجتماعي والسياسي ويمنح أي مبادرة دولية صبغة محلية حقيقية قابلة للتطبيق، بعيدا عن الحلول المفروضة من الخارج.
المصدر:
هسبريس