أكدت جمعيات حماية المستهلك في المغرب أن “ربط التوترات في الشرق الأوسط وأسعار الأعلاف بالمغرب بأثمان الأكباش قبل عيد الأضحى يطرح أسئلة حقيقية حول مدى وجاهة هذا الربط”، معتبرة أن “عددا من التفسيرات المتداولة في السوق تبدو أقرب إلى تبريرات ظرفية لتفسير موجة الغلاء أكثر مما تعكس تأثيرات اقتصادية مباشرة”.
وأوضحت الجمعيات أن “تداول مثل هذه المبررات في هذه المرحلة يثير مخاوف من توظيف ‘مافيا الماشية’ لأحداث دولية لتبرير زيادات في الأسعار دون الاستناد إلى معطيات دقيقة حول كلفة الإنتاج أو العرض في السوق الوطنية”، مطالبة بتوخي “أكبر قدر من الشفافية، تفاديا لتكريس تصورات غير دقيقة لدى المستهلكين، تحثهم على تقبل زيادات مفروضة بطرق مشبوهة”.
قال بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، إن “المبررات التي تم ترويجها مؤخرا لارتفاع الأسعار غير موضوعية ولا علاقة لها بالواقع، وهي مجرد دعاية تهدف إلى تهيئة المستهلك نفسيا لقبول أي غلاء”، موضحا أن “الحرب ليس لها تأثير على المواد الغذائية؛ بل إن الموسم الفلاحي الحالي جيد نسبيا”.
وحذر الخراطي، في تصريح لهسبريس، مما أسماه “مافيا المواشي”، التي “تسعى إلى اختراع ذرائع جديدة لإشعال أسواق الأضاحي، مستفيدة من حرية السوق وغياب مؤسسة فعالة تُعنى بحماية المستهلك ومراقبة الاستهلاك”، لافتا إلى أن “هذا الوضع يجعل الفوضى حاضرة في السوق ويغذي منطق الربح الفردي”.
وأضاف رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك أن “الحل يبقى بيد المستهلك؛ لأنه إذا وجد كبشا بسعر مرتفع جدا، يمكنه ببساطة العدول عن اقتنائه”.
وأوضح المصرح عينه أن “تجار الأزمات يروجون لهذه الدعاية، إضافة إلى بعض المربين الذين أصبح لديهم نوع من الهيمنة على السوق”، مبرزا أن “السوق كان في السابق يعتمد بدرجة كبيرة على ‘الكساب’ الصغير والمتوسط لتزويده بالمواشي، لكن مع توالي سنوات الجفاف فقد كثير منهم القدرة على الاستمرار؛ مما دفعهم إلى بيع قطعانهم والخروج من السوق”.
وتابع الخراطي أن “هذا الوضع أفسح المجال أمام الفاعلين الكبار، الذين يمتلكون إمكانيات أوسع وزراعات أكبر، ليصبحوا المهيمنين على العرض في السوق؛ وهو ما ساهم في تقليص المنافسة الطبيعية وفتح المجال أمام ارتفاع الأسعار”.
وشدد الفاعل المدني على أن “العلف ليس له تأثير كبير في ارتفاع الأسعار؛ لأنه على الصعيد العالمي لم يسجل ارتفاعا يذكر”، مبرزا أن “العامل الذي قد يؤثر فيه هو تكلفة التسمين والنقل المرتبطة أحيانا بالأزمات الصحية أو الحروب في مناطق الإنتاج”.
كما أكد الخراطي أن “المغرب يستورد العلف من أمريكا اللاتينية، خصوصا من الأرجنتين والبرازيل، وهي مناطق بعيدة عن بؤر النزاعات. لذلك، فإن الكثير مما يروج حول تأثيرات خارجية ليس سوى تمويه وتهيئة للمستهلك لقبول أسعار مرتفعة بهدف تحقيق أرباح أكبر”.
حذر المدني دروز، رئيس جمعية “مع المستهلكين”، من “الانسياق وراء الشائعات والتضليل الذي يحاول ربط الحروب والتوترات الدولية بارتفاع أسعار الأضاحي في المغرب”، مؤكدا أن “مثل هذه الروايات يتم الترويج لها بشكل ممنهج كل سنة قبيل موسم الأضاحي، بهدف تهيئة الرأي العام لتقبل موجات من المضاربة ورفع الأسعار بشكل غير مبرر”.
وتابع دروز، في تصريح لجريدة هسبريس، قائلا إن “هذه الأساليب التضليلية باتت معروفة، وهي لعبة مكشوفة تروم ضرب القدرة الشرائية للمواطنين وتخدم فقط مصالح فئة من الوسطاء والمضاربين”.
وأشار الفاعل ذاته إلى أن “المعطيات الواقعية لا تدعم هذا الربط، خاصة فيما يتعلق بملف الأعلاف”، موردا أن “المغرب يتوفر على إمكانات فلاحية وأراض واسعة موجهة لإنتاج جزء مهم من الأعلاف. كما أن الاستيراد لا يشكل في حد ذاته معضلة كبيرة، بخلاف مواد استراتيجية مثل النفط التي تتأثر بشكل مباشر بالتقلبات الجيوسياسية العالمية”.
وفي هذا السياق، شدد رئيس جمعية “مع المستهلكين” على أن “ما يحدث كل سنة ليس نتيجة طبيعية للظروف الدولية بقدر ما هو نتيجة سلوكيات مضارباتية معروفة، يقف وراءها بعض ‘الشناقة’ والوسطاء الذين يستغلون الطلب المرتفع في هذه الفترة لرفع الأسعار إلى مستويات قياسية”، مضيفا أن “ترك السوق دون مراقبة يفتح الباب أمام ممارسات غير أخلاقية تضر بالمستهلكين وبالمربين الحقيقيين على حد سواء”.
وأبرز المصرح لهسبريس أن “طرح موضوع الحرب وتأثيرها على أسعار الأضاحي في هذه الظرفية غير مناسب ويخدم فقط أجندة المضاربين”.
وفي هذا الصدد، دعا المدني دروز الحكومة والجهات المعنية إلى “التدخل المبكر واليقظ لضبط السوق ومحاربة الاحتكار والمضاربة”، لا سيما أن “الهدف ليس تقويض حرية السوق؛ بل حماية المواطنين وضمان توازن عادل بين مصالح المستهلكين والمهنيين”.
المصدر:
هسبريس