آخر الأخبار

مشاهد متشظية خلال أسبوع واحد .. "بزعط وزير" ووداع مدرب ومصرع إمام

شارك

مَا الذي كشَفَهُ هذا الأسبوع عنّا؟

كيف لكلمةٍ صغيرة أن تفضح خطابًا بأكمله؟ وكيف يمكن لرحيل مدرّب أن يهزّ ذلك الخيط الخفي الذي يصل الكُرة بالكَرامة؟ وكيف يبلغُ التّطرّف حدَّ اغتيال صوت الرَّحمة، ثم يتوهّم أنه بذلك ينتصر للسماء؟ وكيف تقف السياسة، بكل ما فيها من ثقةٍ مصطنعة، لتعلن ما يأباهُ الواقع نفسه؟ ثم كيف تبقى المرأة، وسط هذا الضجيج كلّه، الحقيقةَ الوحيدة التي لا تحتاج إلى زينة اللغة كيْ تؤكّد حُضورها؟ أليست الحياة، في نهاية المطاف، أكثر غرابةً ممّا نتصوّر، حين تكشف لنا في أسْبوعٍ واحد أن السّخرية والمأساة والحلم والحقيقة قادرةٌ كلّها على أن تتجاورَ في الصّفحة ذَاتها؟

ليست الأيام على الدوام مجرّد زمنٍ صامت نعبرهُ ثم ننساهُ؛ فثمّة أسابيع تمرُّ كأنها سِلْسلةٌ من المرايا، تضعُ أمامنا وجوهَ هذا العَالم في تعدّدها وتناقُضها: سلطةٌ تفضحُها كلمةٌ، ورياضةٌ تكشف حاجة البشر إلى الحلم، وتطرّفٌ يفضح خواءه بجريمته، وسياسةٌ بارعةٌ في زخرفة الوَهم، وامرأةٌ تذكّر الحياة بسرّ اتِّزانها العَميق. عندئذٍ يبدو ما يحدث شظايا من معنى كبير يتسلّل بهدوء من بين التفاصيل. وما هذه الفَقرات إلاّ محاولةٌ لالتقاط ذلك المعْنى الخَافت؛ أنْ أكتبَ ما لم تنطقه الأحداث بلسَانها المباشر، وأن أُنصت إلى ما تركته في النَّفس من دهشةٍ، وقَلقٍ، ومَرارةٍ، ورَجاء.

الكلمةُ التي فضَحَت الخطابَ

في لحظةٍ كان يُفترض أن تكون رسمية ومهيبة، انحنى المسؤول قليلًا نحو الميكروفون، ثم أطلق كلمته كما لو كان يرمي حجرًا صغيرًا في بُحيرة صامتة: “بالزّعْط!”. ارتجّت القاعة بين ضحكٍ مكتوم ودهشةٍ حائرة، إذ لم يكن أحدٌ يتوقّع أن تُفتتح الخطابات بعبارةٍ أقرب إلى لغة المقاهي منها إلى لغة الدولة. بدا الرجل كأنه قرر فجأة أن يخلع ربطة عنق البلاغة الرسمية، ويخاطب الناس بلُغتهم اليومية، لكن المفارقة أن الكلمة نفسها كانت تحملُ في طيّاتها سخرية لاذعة، كأنّها تقول: “ما سنقوله الآن تعرفونه سلفًا… وما سنعدكُم به تعرفون مصيره”.

ثم مَضى المسؤول في خطابه بوقارٍ مُصطنع، يسكبُ الوعود على السّامعين كما تُلقى أوراق اللّعب على طاولةٍ في مقهى شعبي، فيما ظلّت تلك الكلمة الأولى معلّقةً في الهواء، مثل ضحكةٍ خافتة تسخر من المشهد كلّه. كانت القاعة تسمع الأرقام والخطط والاسْتراتيجيات، لكنها في العُمق كانت تسمع شيئًا آخر: اعترافًا غير معلن بأن اللغة الرسمية نفسها صارت مسرحًا للمفارقة. فحين يبدأ خطاب السّلطة بكلمةٍ ساخرة، يصبح من الصعب أن نعرف إن كنا أمام خطاب سياسي أم أمام عرضٍ كوميدي طويل. وفي نهاية الخِطاب، صفّق الحاضرون تصفيقًا مهذبًا، كما يحدث دائمًا. غير أن بعضهم كان يبتسم ابتسامةَ مَنْ فهِم اللّعبة: المسؤول لم يقل الكثير، لكنه قال كل شيء في تلك الكلمة الأولى. كلمة صغيرة، عامّية، ساخرة… لكنها كشفت فجأة المسافة الغريبة بين ما يُقال على المنصات، وما يعرفه الناس جيدًا في الشارع. كأن الخطاب كله لم يكن سوى ترجمة مطوّلة لعبارة واحدة: “اطمئنوا… الأمور تمشي، بالزّعْط”.

بين وَداعِ الرّكراكي وصَوتُ الحُلْم الجَديد

تُفاجئنا كرة القدم أحيانًا كما تُفاجئنا السماء حين تنزع عنها زرقة الرّبيع وتفتحُ أبوابها لريحٍ لا تُشبه إلاّ نفسها؛ ريحٌ تحملُ وعدًا غامضًا، وتُخفي في كفّها مطرًا أو زلزلة. لم يمرّ الرّكراكي في ذاكرة المغاربة مثل مدرب يعبر من مقعدٍ إلى آخر، ذلك أنه وقف في القلوب مثل حكاية إيمانٍ مكتملة؛ هتَفَت المدرجاتُ باسمه، ورأتْ فيه أمّةٌ وجهًا يعرف كيف يوقظ الكبرياء حين ينام. وحين انتهتْ المهمّة، أطلّ اسم وهبي من الأفق.

دخل إلى مساحةٍ لا تزال تحتفظ بحرارة اللحظة السابقة، وتحتفظ أيضًا ببصمات من عبروا من هنا وتركوا للفرح شكلًا وللرهبة ظلًّا. وهبي يعرف، أو عليه أن يعرف، أن الخرائط التّكْتيكية لا تكفي وحدها، وأن الأرقام لا تصنع مجدًا إن لم تُشعِلْ في أرواح اللاعبين شَرارةً تقولُ لهم: أنتم لا تلعبون تسعين دقيقة فقط، أنتم تلامسون لحظةً قد تُقيم في الذاكرة عشرين عامًا. الماضي يضيء من الخلف، والمستقبل يفتح بابه على مَهل، وبينهما يقف الحلم المغربي شامخًا، لا ينحني ولا يتعب. ففي كرة القدم، لا يُمسك أحدٌ بالغد من ياقته، لكن الجميع يستطيع أن يمدّ إليه قلبه. والمغرب، كلَّما ظنّ البَعض أن الحُلْم هدَأ، أعَاد إشْعال نَجْمته وركضَ خلفها من جَديد.

جريمةٌ باسْم السَّماء… ضدّ السّماء

يا للمفارقة: أن يُقتل إمام مسجد على يد متطرف يزعم أنه يدافع عن الدّين. كأن الفكرة قررت أن تنتحر بِسِكّين أتباعها. الرجل الذي كان يقف كل يوم أمام الناس ليقول لهم إن الرحمة أصل الحكاية، انتهى ضحيةً لشخصٍ فَهِم الدِّين كما يَفهم المِطرقة: أداةً للضرب لا للعقل.

المتطرّف، في الغالب، لا يقرأ النّصوص… وإنما يقرأ غضبَه فيها. يفتحُ الكُتب لا ليبحثَ عن المَعْنى، وإنما ليبحث عن ذَريعَة. ولذلك يُصبح الإمام، الذي يذكّر الناس بأن الإيمان أخلاق قبل أن يكون صراخًا، خطرًا حقيقيًا على مَشروعه. فالمتطرف لا يخاف من الكفر بقدر ما يخاف من الاعْتدال؛ لأن الاعتدال يفضح هشاشة صوته العَالي.

يا لها من مَهزلة سوداء: رجل يقتل إمامًا ثم يظن أنه خدم السّماء. كأن السّماء تحتاج إلى سِكّينه المرتجفة. الحقيقة أبسطُ وأقسى: المتطرّف لا يحرسُ الدّين، يحرسُ جهلَهُ به. وما فعله ليسَ دفاعًا عن العَقيدة، إنه جريمة ضد العَقل… وضدَّ ذلك الصَّوت الهَادئ الذي كان يعلِّمُ النَّاس أن اللهَ أكبرُ من كراهية البَشر.

الأحزابُ لا تكذبُ… فقط تُجمِّل الوَهْمَ

حين يقفُ السّياسي بثقةٍ كَاملة ويقولُ: “إن الأحزاب لا تكذب”، يشعرُ المرءُ كأنّه أمام اكتشاف علمي مُذهل، أشبه بإعلان أن المطر يسقط صعودًا نحو السّماء، أو أن الوُعود الانتخابية تعيش عمرًا أطول من مَوْسمها. لحظة نادرة بالفعل؛ لأن الجملة نفسها تبدو كأنها خرجت من مختبر البلاغة لا من منصة السّياسة. فالأحزاب، كما نعرفها في الواقع، لا تكذبُ… إنها فقط تُؤجِّل الحقيقة قليلًا، وتُعيد ترتيبها، وتضع لها مساحيق لغوية أنيقة حتى تبدو أقل إزعاجًا. هي لا تقول الشيءَ ونقيضه مباشرةً، لكنها تمارس ضربًا أكثر مرونةً من المراوغة: تقول الشيءَ اليوم، ثم تعود غدًا إلى تأويله على نحوٍ يجعل السامعين يشكّون في ذاكرتهم هم، لا في كلامها. لهذا تبدو عبارة السّياسي رائعة على نحوٍ غير مقصود؛ لأنها تكشف ببراءة مُذهلة عن فنٍ قديم في الحياة العامّة: فنّ تحويل الكذبة إلى جملة مُهذّبة، والوعد إلى احتمال، والواقع إلى خطاب. وحين يقول السياسي إن الأحزاب لا تكذب، فهو في الحقيقة يقدّم أفضل مثال على مهارة الأحزاب… في قول أشياء يصعب على الواقع أن يتعرّف عليها.

يومُ الحقيقة التي اسْمُها المرأة

لا يحمل الثامن من مارس رقمًا عاديًا في التقويم، ذلك أنه يفتح بابًا واسعًا كي ينظر العالم إلى نفسه بصدق، ويعترف بأن المرأة لم تكن يومًا ظلًّا في الحكاية، وإنما هي منْ كتبت معناها، وحملت عبئها، ومنحتها قلْبَها. كل حضارةٍ تجاهلت المرأة خسرت جزءًا من بَصيرتها، وكل مجتمعٍ أنصفها اقترب أكثر من إنسانيته.

تصنع المرأة الحياة قبل أن تتحدث عنها. تبني في البيت معنى الطمأنينة، وتزرع في المدرسة شغف المعرفة، وتمنح المجتمع توازنه كلما اختلّ. تغيّر المرأة العالم بالإصرار، وبالصبر، وبالقوة الهادئة التي تعرف كيف تترك أثرها العميق. تربّي، وتعلّم، وتصبر، وتقاوم، وتحْلم، ثم تمضي في طريقها وهي تحمل من الشجاعة ما يكفي كي تعيد للعالم توازنه كُلَّما مَالَ. لهذا لا يليق بالثامن من مارس أن يكتفي بالوُرود والعبارات الأنيقة. يستحق هذا اليوم اعترافًا حقيقيًا بدور المرأة في صناعة الحياة، وفي بناء الأجيال، وفي ترميم ما تكسِّرُه القسْوة. في الثامن من مارس، لا نحتفلُ بالمرأة لأن المناسبة تدعونا إلى ذلك فقط، وإنما لأن الحقيقة نفسها تدفعنا إلى الاعتراف بأنها لم تكن يومًا على هامش الحياة؛ كانت في قلبها دائمًا. كانت اليد التي ترفع، والعقل الذي يبْني، والرُّوح التي تمنح العالَم قدرته على أن يبقى إنسانيًا.

حينَ صارَ الأسْبُوع نَصًّا

فماذا يبقى من أسبوعٍ كهذا بعد أن هدأَ ضجيجُه؟ وهل نقرأ ما جرى بوصفه حوادث متفرقة، أم بوصفه نصًّا واحدًا كتبَه الزَّمن على عَجَل: سلطةٌ تتعثَّرُ بلغتها، وجماهيرُ تتشبَّث بحُلْمها، وعنفٌ يفضح جهْله، وسياسةٌ تتأنَّق لتُخْفيَ فَراغها، وامرأةٌ تظلّ المعنى الأوْضَح وسَط كلّ هذا الالْتباس؟ ثم أليس أجملُ ما في الكتابة أنّها لا تُغيّر ما حدث، لكنها تمنحُنا القُدرة على أن نَراه كأننا نراهُ للمرّة الأولَى؟

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا