في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في بوصلة السياسة الأوروبية تجاه قضية الصحراء المغربية؛ لم تعد لغة “الدعم السياسي الحذر” هي السائدة في أروقة بروكسل، بل أفسحت المجال للغة الأرقام والمشاريع التنموية؛ تجلى ذلك في إعلان بلجيكا الصريح، على لسان وزير خارجيتها الذي زار الرباط بداية الأسبوع الجاري، مساندة مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
إعلان لم يأتِ فقط كحلقة جديدة في سلسلة الاعترافات الدولية المتنامية، بل جاء مقروناً بنيّة إستراتيجية لضخ استثمارات اقتصادية في الأقاليم الجنوبية، ما يؤشر على مرحلة “الترجمة الميدانية” للمواقف الدبلوماسية.
من تكريس السيادة سياسياً انتقل الرهان إلى جعل المنطقة قطباً اقتصادياً عالمياً. ويرى خبراء تحدثت إليهم هسبريس أن الرغبة البلجيكية في الاستثمار ليست وليدة الصدفة، بل هي “استجابة لواقع البنية التحتية المتطورة التي أنجزتها الدولة المغربية”.
الباحث في العلاقات الدولية لحسن أقرطيط أكد في تصريح لهسبريس أن “البنية التحتية المتقدمة في الصحراء تثير اليوم شهيّة الشركات الأوروبية”، موردا أن ميناء الداخلة الأطلسي يشكل حجر الزاوية في هذا الجذب، إذ يتحول إلى منصة لوجستية كبرى تربط أوروبا بإفريقيا جنوب الصحراء، ما يفتح آفاقاً رحبة لقطاعات الصيد البحري، الطاقات المتجددة، وسلاسل التبريد.
يوضح المحلل المالي والأستاذ الجامعي لعلوم الاقتصاد والتدبير محمد عادل إيشو أن الموقف البلجيكي يمثل مؤشراً على “تحول تدريجي في المقاربة الأوروبية”؛ فبعد سنوات من الحذر بدأت غالبية دول الاتحاد الأوروبي “تميل إلى ربط الموقف السياسي بدينامية اقتصادية ملموسة”.
ويضيف إيشو، في تعليق لهسبريس، أن هذا التوجه يهدف إلى “تحويل الدعم السياسي إلى أثر اقتصادي عبر خلق مشاريع إنتاجية تعزز اندماج المنطقة في سلاسل القيمة الأوروبية، وكذا نقل التكنولوجيا والخبرات في قطاعات تحلية المياه والطاقة الخضراء”؛ كما استحضر آليات تحفيز التنمية المحلية وخلق فرص شغل مستدامة تعزز أثر الاستثمارات العمومية المغربية.
وبحسب المحلل الاقتصادي عينه تأتي المبادرة البلجيكية مدعومة بأرقام تعكس عمق الترابط بين الرباط والاتحاد الأوروبي، فوفقاً لمعطيات المفوضية الأوروبية لعام 2024 يستحوذ الاتحاد الأوروبي على 59% من إجمالي المبادلات التجارية للمغرب، بينما بلغت قيمة التجارة في السلع حوالي 60.6 مليار يورو سنة 2024؛ فيما تتجه 67.7 في المائة من الصادرات المغربية إلى السوق الأوروبية.
أما على الصعيد الثنائي فبلغت صادرات بلجيكا إلى المغرب نحو 1.39 مليار دولار سنة 2024، في “رقم مرشح للارتفاع مع توجه الشركات البلجيكية نحو الأقاليم الجنوبية لاستكشاف فرص الهندسة الصناعية وحلول المياه والطاقة”.
في المقابل تمتلك بلجيكا أيضاً مصلحة اقتصادية واضحة في توسيع حضورها داخل السوق المغربية، فالمغرب يمثل بالنسبة للشركات الأوروبية منصة إنتاجية وتجارية قريبة من السوق الأوروبية ومنفتحة في الوقت نفسه على الأسواق الإفريقية. وتشير بيانات التجارة الدولية إلى أن صادرات بلجيكا إلى المغرب بلغت حوالي 1.39 مليار دولار سنة 2024 وفق بيانات “COMTRADE”.
التحرك البلجيكي، الذي يلحق بمواقف مشابهة من ألمانيا وإسبانيا، يعكس ما وصفه أقرطيط بـ”المزاج العام” داخل أوروبا.
وأضاف المختص في الشؤون الدولية والجيوبوليتك أن “المواقف الاقتصادية غالباً ما تشكّل قاطرة للسياسة؛ ومع تزايد الانخراط الأوروبي في مشاريع الصحراء المغربية يترسخ واقع جديد قائم على التنمية والاستثمار”.
وأجمل المحللان معاً بكون هذا التحول لا يقوّي فقط الشراكة الثنائية، وإنما يعد عاملا يقرّب ملف الصحراء أكثر من مرحلة التسوية النهائية، عبر تبني مقاربة واقعية ترى في الاستثمار وسيلة لتعزيز الاستقرار الإقليمي وتحويل المنطقة إلى جسر اقتصادي قاري لا غنى عنه.
المصدر:
هسبريس