آخر الأخبار

لمواجهة “صدمة النفط” القادمة.. خبير يطرح “خريطة طريق” لحماية الاقتصاد المغربي

شارك

اعتبر الدكتور المهدي قيل، الأستاذ المحاضر في تخصص الإقتصاد والتدبير، أن الاقتصاد المغربي يبقى من بين الاقتصادات الحساسة لأي صدمة في سوق النفط العالمية، بحكم اعتماده الكبير على المحروقات المستوردة، موضحا أن حساسية الاقتصاد الوطني لهذه التطورات تتجلى عبر ثلاث قنوات مترابطة تتعلق بالاستيراد والأسعار الداخلية والميزان الخارجي.

وأوضح قيل، في تصريح لجريدة “العمق”، أن المغرب يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 90 في المائة من حاجياته الطاقية، ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية للنفط أو في تكاليف الشحن والتأمين يترجم مباشرة إلى ارتفاع في كلفة التزود بالمحروقات.

وأضاف الجامعي ذاته أن القناة الثانية تتعلق بالأسعار الداخلية، حيث إن تحرير أسعار المنتجات البترولية، مع استثناء غاز البوتان الموجه أساسا للأسر، يجعل انتقال جزء مهم من الارتفاعات العالمية إلى أسعار الغازوال والبنزين أمرا مرجحا، وإن اختلفت سرعة هذا الانتقال بحسب مستويات المخزون وتوقيت التوريد.

أما القناة الثالثة فتهم تأثير هذه التطورات على الميزان الخارجي وعلى مستويات التضخم، مشيرا إلى أن بيانات مكتب الصرف تفيد بأن واردات “الطاقة ومواد التشحيم” بلغت حوالي 107.567 مليارات درهم خلال سنة 2025، وهو ما يعني أن أي موجة ارتفاع جديدة في أسعار النفط قد تضغط على فاتورة الاستيراد وعلى عجز الميزان التجاري.

وتابع الخبير المغربي أن هذه المخاطر تتفاقم عندما تكون الصدمة مرتبطة بما يسمى “علاوة المخاطر” المرتبطة بالتوترات في مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، لأن كلفة “التسليم” ترتفع حتى في الحالات التي لا يحدث فيها انقطاع كامل في الإمدادات.

وأشار الأستاذ المحاضر في الاقتصاد والتدبير إلى أن التطورات الأخيرة في السوق المحلية تعكس بالفعل حساسية الأسعار الداخلية للتقلبات الدولية، لافتا إلى أن الزيادة الأخيرة التي بلغت نحو 0.25 درهم للتر الواحد في أسعار الغازوال والبنزين تعكس قابلية السوق الوطنية للتفاعل مع الضغوط العالمية، وهو ما يؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع تكاليف النقل والزراعة، التي تستهلك كميات كبيرة من الديزل، إضافة إلى تأثيره على أسعار عدد من السلع الاستهلاكية نتيجة ارتفاع تكاليف التوزيع.

وفي تفسيره للسياق العالمي الذي يقف وراء هذه التطورات، أوضح قيل أن الأزمة الحالية ترتبط بشكل مباشر بسوق النفط العالمية، مشيرا إلى أن التأثير الحالي يتخذ في المقام الأول طابعا جيوسياسيا ولوجستيا نتيجة تصاعد الصراع الذي تشارك فيه إيران، وهو ما قد يعطل التدفقات عبر مضيق هرمز، الذي يعد أهم ممر للطاقة في العالم.

وأوضح أن هذا الممر البحري يشكل شريانا رئيسيا لتجارة الطاقة، إذ بلغ متوسط تدفق النفط عبر مضيق هرمز خلال سنة 2024 نحو 20 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل حوالي 20 في المائة من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، وهو ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر ذا انعكاسات مباشرة على الأسواق العالمية.

وأضاف أن المشكلة لا ترتبط فقط بوجود النفط في الأسواق، بل بقدرة هذه الأسواق على إيصال البراميل إلى وجهاتها النهائية، موضحا أنه حتى لو كانت كميات النفط موجودة “على الورق”، فإن وصولها إلى الأسواق يصبح أكثر صعوبة وأكثر تكلفة عندما تتعرض طرق الشحن للهجوم، أو عندما تسحب شركات التأمين تغطيتها، أو عندما تتوقف الناقلات عن العمل أو ينخفض نشاط النقل بشكل حاد.

كما تشير التقارير الأخيرة إلى اضطراب حركة المرور البحرية وارتفاع تكاليف الشحن ومخاطر الحرب، وهي عوامل تضخم تأثير الأسعار بما يتجاوز الأساسيات التقليدية للعرض والطلب، يضيف المتحدث.

وفي ما يتعلق بتطور الأسعار في الأسواق العالمية، سجل قيل أن أسعار النفط قفزت استجابة لما يعرف بعلاوة المخاطر، حيث جرى تداول خام برنت (Brent) عند حوالي 82 دولارا للبرميل، بينما بلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط (WTI) نحو 75 دولارا للبرميل بتاريخ 4 مارس، وذلك بعد ارتفاعهما بأكثر من 5 في المائة خلال الجلسات الأخيرة، مع الإشارة إلى أن المستويات قد تختلف خلال اليوم تبعا للتوقيت ومكان التداول.

وأضاف أنه في جلسة 3 مارس استقر سعر خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط على ارتفاع بنسبة 4.7 في المائة، حيث بلغ سعر برنت 81.40 دولارا للبرميل وسعر خام غرب تكساس 74.56 دولارا، وهي أعلى مستويات استقرار منذ بداية أو منتصف سنة 2025.

وتوقف قيل عند مسألة مخزونات النفط الخام، موضحا أن هذه المخزونات تحدد المدة التي يمكن للسوق خلالها استيعاب الاضطرابات قبل أن ترتفع الأسعار بهدف تقنين الطلب، مبرزا أنه في الولايات المتحدة ارتفعت مخزونات النفط الخام التجارية، باستثناء الاحتياطي الاستراتيجي للنفط، بمقدار 3.5 ملايين برميل على أساس أسبوعي لتصل إلى 439.3 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في 27 فبراير 2026.

كما تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (U.S. Energy Information Administration) إلى أن هذه المخزونات تقل بنحو 3 في المائة عن متوسط السنوات الخمس للفترة نفسها من السنة، وهو ما يعني أن مستوى الاحتياطيات ليس مرتفعا بشكل غير عادي.

وعلى المستوى العالمي، أفاد بأن بيانات وكالة الطاقة الدولية (International Energy Agency) تشير إلى أن مخزونات النفط العالمية المرصودة ارتفعت بمقدار 37 مليون برميل خلال شهر دجنبر، ليصل مجموع الزيادات المسجلة خلال سنة 2025 إلى حوالي 477 مليون برميل، أي ما يعادل في المتوسط نحو 1.3 مليون برميل يوميا.

وأضاف قائلا أن بيانات أولية للوكالة تشير كذلك إلى زيادة إضافية بحوالي 49 مليون برميل خلال شهر يناير.

واعتبر أن هذه المعطيات تعني أن المخزونات العالمية جرى تعزيزها خلال الفترة الأخيرة، غير أن حدوث صدمة مفاجئة في نقاط الاختناق اللوجستي يمكن أن يؤدي إلى تحركات حادة في الأسعار، لأن ما يهم في نهاية المطاف ليس فقط كمية النفط المخزنة في مكان ما، بل القدرة الفعلية على إيصال هذه البراميل إلى المصافي والأسواق النهائية.

وفي تفسيره للآلية الاقتصادية التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع، أوضح قيل أن الأزمة الحالية تؤثر في سوق النفط عبر ثلاث قنوات رئيسية؛ القناة الأولى تتعلق باضطراب الإمدادات المادية، حيث يمكن أن يؤدي استمرار الاضطراب في مضيق هرمز إلى خسارة ملايين البراميل يوميا من الطاقة التصديرية العالمية، خصوصا لدى كبار المصدرين في منطقة الخليج، موضحا أن حجم الاضطراب قد يبلغ حوالي 3.3 ملايين برميل يوميا بحلول اليوم الثامن من الأزمة، وقد يرتفع أكثر إذا طال أمدها.

أما القناة الثانية فتتعلق بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إذ إن تغيير مسارات نقل النفط لا يمنع ارتفاع تكاليف الشحن وأقساط المخاطر، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع التكلفة الفعلية للإمدادات النفطية، الأمر الذي ينعكس في ارتفاع الأسعار المرجعية واتساع الفوارق السعرية بين المناطق.

وفي القناة الثالثة، أشار إلى محدودية القدرة على تحويل مسارات الإمدادات بعيدا عن مضيق هرمز، موضحا أن بعض خطوط الأنابيب توفر بدائل جزئية لكنها تبقى محدودة مقارنة بحجم التدفقات التي تمر عبر المضيق. ففي السعودية تبلغ قدرة خط الأنابيب الشرق–الغربي نحو 5 ملايين برميل يوميا، مع إمكانية توسعة مؤقتة تاريخيا أشارت إليها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، في حين تبلغ قدرة خط الأنابيب الإماراتي الذي يلتف على المضيق نحو ميناء الفجيرة حوالي 1.8 مليون برميل يوميا.

وبالمقارنة مع تدفقات مضيق هرمز التي تصل إلى نحو 20 مليون برميل يوميا، فإن هذه الخطوط الالتفافية يمكنها التخفيف من الصدمة لكنها لا تستطيع القضاء عليها بالكامل.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة، اعتبر قيل أن أحد السيناريوهات يتمثل في حدوث اضطراب مطول قد يستمر لأسابيع، وهو ما قد يبقي الأسعار مرتفعة وربما يدفعها إلى الارتفاع بشكل حاد إذا تراجعت المخزونات بسرعة.

وأضاف أن عددا من البنوك ناقشت علنا خلال الساعات الأخيرة احتمالات ارتفاع الأسعار إلى أكثر من 90 دولارا وربما إلى حدود 100 دولار للبرميل في حال استمرار الاضطرابات لفترة طويلة، مشددا على أن هذه الأرقام تمثل تقديرات مرتبطة بسيناريوهات المخاطر وليست حقائق مؤكدة.

وخلص الأستاذ المحاضر في الاقتصاد والتدبير إلى أن الأزمة الحالية تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط ليس لأن العالم “نفد منه النفط”، بل لأن الأسواق أصبحت فجأة تسعر احتمال أن أحد الشرايين الحيوية لنقل الطاقة قد لا يتمكن من توفير إمدادات موثوقة، في وقت لا توجد فيه مخزونات وفيرة ولا تستطيع الطرق البديلة تعويض النقص بشكل كامل.

وفي هذا السياق شدد على أن مواجهة هذه التطورات بالنسبة للمغرب تستدعي ترشيد الطلب الطاقي وتحسين النجاعة في قطاع النقل، إلى جانب اعتماد دعم موجه ومؤقت لفائدة القطاعات الأكثر هشاشة بدل اللجوء إلى دعم شامل.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا