هبة بريس – عبد اللطيف بركة
تواجه الأقاليم الواقعة على الشريط الساحلي الأطلسي، وفي مقدمتها إقليم اشتوكة آيت باها، أحد أكبر مزوّدي السوق الوطنية بالخضر والفواكه، تحديا مائيا متصاعدا يتمثل في ارتفاع ملوحة عدد من الآبار الجوفية، خاصة تلك القريبة من الساحل بين أكادير وإنزكان وصولا إلى أراضي اشتوكة ايت باها، وهي ظاهرة تؤكدها دراسات هيدروجيولوجية أنجزت خلال السنوات الأخيرة حول وضعية الفرشة المائية بسهل سوس.
وتشير أبحاث منشورة في دوريات علمية متخصصة إلى أن الاستغلال المكثف للمياه الجوفية لأغراض الري، مقابل ضعف معدلات التساقطات وإعادة تغذية الخزان الطبيعي، أدى إلى انخفاض مستمر في منسوب الفرشة، ما فتح المجال أمام زحف المياه المالحة نحو الداخل، في ما يُعرف بظاهرة “التداخل البحري”، وتبرز القياسات الهيدروكيميائية أن نسبة مهمة من الآبار المسجلة بسهل سوس تسجل موصلية كهربائية مرتفعة، وهو مؤشر مباشر على ارتفاع الملوحة وتأثيرها المحتمل على جودة مياه الري.
هذا التدهور لا ينعكس فقط على الماء، بل يمتد إلى التربة والإنتاج، فاستعمال مياه عالية الملوحة يؤدي تدريجيا إلى تراكم الأملاح في الأراضي الفلاحية، ما يضعف مردودية الزراعات الحساسة، وعلى رأسها الخضر والحوامض، ويزيد من كلفة الإنتاج بسبب الحاجة إلى تقنيات ري دقيقة أو خلط المياه أو اللجوء إلى مصادر بديلة أكثر كلفة.
وتفيد مصادر عليمة بشأن الفرشة المائية بجهة سوس ماسة أن الضغط الكبير على الموارد الجوفية خلال العقود الأخيرة، مدفوعا بالتوسع الفلاحي وتوالي سنوات الجفاف، جعل الميزان المائي يسجل عجزا بنيويا، الأمر الذي سرع وتيرة تملح بعض الآبار، خصوصاً في المناطق المنخفضة القريبة من الساحل، كما أن عدداً من الآبار القديمة بات يحتاج إلى إعادة تأهيل أو تعميق، في حين تتطلب أخرى مراقبة دورية لجودة المياه لتفادي تفاقم الوضع.
وفي مواجهة هذا المعطى، برز خيار تحلية مياه البحر كمحور استراتيجي لتأمين مياه السقي وتقليص الاعتماد على الضخ الجوفي، غير أن تحدي الكلفة وسبل تعميم الاستفادة يظل مطروحا، خاصة بالنسبة للفلاحين الصغار والمتوسطين، كما وقع من تأخر على تزويد منطقة سبت الكردان الفلاحية من مياه التحلية إلى أجل غير مسمى.
ملوحة الآبار في اشتوكة آيت باها ليست مجرد إشكال تقني عابر، بل مؤشر على تحوّل عميق في التوازنات المائية بسهل سوس، ما يفرض إعادة ترتيب أولويات تدبير الموارد المائية، حفاظا على استدامة واحدة من أهم المناطق الفلاحية بالمغرب وضمانا للأمن الغذائي الوطني.
المصدر:
هبة بريس