آخر الأخبار

دبلوماسية التوازن: كيف تدير الرباط تقاطعات المصالح بين الخليج واشنطن وطهران؟

شارك

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، اختار المغرب موقعا دبلوماسيا دقيقا بين إدانة رسمية للاعتداءات الإيرانية على الخليج، وصمت محسوب إزاء الضربات الأمريكية، ما أعاد إلى الواجهة سؤال التوازن بين الالتزامات التاريخية مع الرياض وأبوظبي، وبين رهانات الرباط الاستراتيجية، خاصة في ملف الصحراء وعلاقاتها مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ويرى سعيد الصديقي أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة فاس ، أن موقف الرباط من الاعتداءات الإيرانية على الخليج كان “منتظرا”، بالنظر إلى ما وصفه بـ”التزام تاريخي متبادل” بين المغرب ودول الخليج بشأن دعم الوحدة الترابية وسلامة الأقاليم.

ويشير الصديقي ضمن حلوله ضيفا على برنامج “نبض العمق” إلى طبيعة العلاقات التي تجمع الرباط بكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والتي تتجاوز البعد الظرفي إلى شراكة سياسية وأمنية ممتدة.

في المقابل، يلفت الأستاذ الجامعي إلى أن الحذر الذي طبع الموقف المغربي من الضربات الأمريكية يعكس ما يسميه بـ”سياسة التحوط الاستراتيجي”، أي تجنب الاصطفاف الكامل في صراعات كبرى خارج الأطر الشرعية للأمم المتحدة. ويقارن ذلك بموقف الرباط من الحرب الروسية الأوكرانية، حيث فضلت اعتماد خطاب متوازن يحفظ المصالح دون انخراط مباشر.

نبض الشارع ومنطق الدولة

وبحسب المحلل السياسي ذاته، فإن المغرب، رغم مصالحه المتشعبة مع الولايات المتحدة، يضع سقفا واضحا لتعاونه، بحيث لا يتحول إلى انخراط غير مشروط في مواجهات قد لا تخدم مصالحه المباشرة. ويؤكد أن أي دعم لحرب لا تستند إلى أساس قانوني دولي واضح يظل خارج الحسابات البراغماتية للدولة.

الجدل لم يقتصر على الموقف الرسمي، بل امتد إلى التباين الظاهر بين بعض التيارات التي عبرت عن تعاطفها مع طهران، وبين الرؤية الرسمية التي تصنف النظام الإيراني ضمن دائرة التهديد أو الاستفزاز.

في هذا الصدد، يميز الخبير في القانون الدولي بين منطق الدولة ومنطق الحركات السياسية. فالدولة، بحسبه، تتحرك وفق تراتبية المصالح العليا السياسية والاستراتيجية والاقتصادية، وقد تتخذ قرارات لا تعكس بالضرورة المزاج الشعبي. أما الفاعلون السياسيون والمدنيون، فيعبرون عن مواقفهم من منطلقات مبدئية أو أيديولوجية، دون تحمل كلفة القرار السيادي.

ويشدد الصديقي على أن هذا التعدد في الأصوات لا يعني وجود “انفصام” في المواقف، بل يعكس طبيعة المجال العمومي، حيث تتكلم الدولة رسميا بصوت واحد في قضايا السياسة الخارجية، بينما يحتفظ المجتمع بهوامش تعبير متنوعة، ما دام الأمر لا يتعلق بقضية وطنية جامعة كالصحراء أو بحرب يشارك فيها المغرب مباشرة.

هل يشكل النظام الإيراني تهديدا وجوديا؟

وحول توصيف إيران كتهديد وجودي للمغرب، يعتبر أستاذ العلاقات الدولية أن هذا الوصف مبالغ فيه. فبين “التهديد الوجودي” و”الاستفزاز السياسي” مسافة كبيرة في منطق العلاقات الدولية. ويؤكد أن تقييم المخاطر يتم بناء على معطيات واقعية ومادية، لا على اعتبارات رمزية أو سجالات إعلامية.

ويستحضر الصديقي في هذا السياق تاريخ التوتر بين الرباط وطهران منذ الثورة الإيرانية سنة 1979، حين استضاف المغرب شاه إيران قبل أن يغادر البلاد بعد انتصار الثورة، وما أعقب ذلك من اعتراف إيراني بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”. غير أن المتحدث يرى أن تصوير إيران باعتبارها المحرك المركزي لقضية الصحراء يفتقر إلى الدقة، مشيرا إلى أن الدعم – إن وجد – لا يرقى إلى مستوى حاسم يغير موازين النزاع.

كما يشير إلى أن الرباط تحدثت رسميا عن دعم من سفارة إيران في الجزائر لجبهة البوليساريو، بما في ذلك شبهات تتعلق بتزويدها بتقنيات عسكرية. غير أنه يؤكد أن حجم هذا الدعم، وفق المعطيات المتداولة، يظل محدودا مقارنة بما تلقته الجبهة من أطراف أخرى.

خيارات استراتيجية وتكلفة الاصطفاف

في تفسير رفض المغرب لمد اليد الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، يرجح الخبير أن الأمر مرتبط بحسابات الكلفة والعائد. فالمغرب، المنخرط في شراكات استراتيجية واسعة مع الولايات المتحدة ودول تعتبر إيران خصما مباشرا، لا يمكنه الجمع بين مسارين متناقضين دون أن يتحمل أثمانا سياسية ودبلوماسية.

ويضيف الصديقي أن طهران أبدت، خلال فترات معينة، رغبة في تحسين العلاقات، غير أن الرباط فضلت الإبقاء على مسافة، انسجاما مع تموقعها الدولي وخياراتها في تنويع الشركاء، خاصة في سياق تحالفات جديدة تفرض وضوحا أكبر في الاصطفافات.

سجال “بركان قبل طهران”

على المستوى الداخلي، أثار الملف الإيراني انقساما رمزيا تجسد في شعارات من قبيل “بركان قبل طهران”، في إشارة إلى أولوية القضايا الوطنية. غير أن أستاذ العلاقات الدولية سعيد الصديقي يعتبر أن التعبير عن التضامن مع قضايا خارجية لا يعني بالضرورة تقديمها على الشأن المحلي، بل يندرج ضمن حرية التعبير عن مواقف سياسية وأخلاقية.

ويؤكد الأستاذ الجامعي أن النقاش حول إيران في المغرب غالبا ما يتحول إلى سجال حاد، تتداخل فيه الحسابات الإقليمية مع المزايدات الداخلية، في حين أن منطق الدولة يظل محكوما بميزان المصالح، لا بالشعارات.

ويخلص سعيد الصديقي إلى أنه في المحصلة، يبدو أن الرباط تواصل اعتماد مقاربة براغماتية تقوم على التحوط وتفادي الاصطفاف الكامل، بما يضمن حماية مصالحها الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء، دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة لا تخدم أولوياتها المباشرة.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا