نبه نزار بركة وزير التجهيز والماء إلى أن التحولات البنيوية التي يعرفها الوضع المائي بالمغرب، تنعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي، ما يفرض إعادة التفكير جذريا في السياسة المائية، لأن البنيات التحتية أصبحت مطالبة بتدبير الندرة والفيضانات في آن واحد، كما أن التخطيط الفلاحي في ظل عدم اليقين البنيوي يتطلب رؤية جديدة.
وأبرز بركة خلال ندوة نظمتها رابطة المهندسين الاستقلاليين بشراكة مع مؤسسة “كونراد أديناور” أن المغرب دخل مرحلة الظواهر المناخية القصوى، في وقت لا يزال موضوع الماء يعاني من عدة تحديات، من بينها الاستغلال المفرط للفرشة المائية، واستغلال 80% من الآبار والأثقاب دون ترخيص…
وركز الوزير على ضرورة مراجعة السياسة الفلاحية للمغرب، مؤكدا أن السيادة الغذائية تبدأ من الماء، وأشار إلى أن 75% من المياه المعبأة وطنيا تُوجه إلى الفلاحة المسقية، وأن غياب مياه السقي يعني تقويض الإنتاج الوطني من الحبوب والقطاني والحوامض، مضيفا أن السياسة الفلاحية بمختلف برامجها تظل رهينة بتوفر مياه الري على مستوى الأحواض.
وشدد على ضرورة ملاءمة السياسة الفلاحية مع المعطى المائي الجديد، عبر تعميم السقي الموضعي، وتحسين مردودية شبكات الماء الصالح للشرب إلى 85%، وتوسيع إعادة الاستعمال إلى 100 مليون متر مكعب في أفق 2027، وإنجاز مشاريع لشحن الفرشات، واعتماد أصناف زراعية مقاومة للجفاف.
وتوقف بركة على الوضع المائي بالمغرب، مبرزا أن متوسط الواردات المائية خلال العقود الأخيرة يظهر تقلبا متزايدا، تلاه تراجع حاد خلال الفترة 2018-2025، حيث لم تتجاوز الواردات 3,87 مليارات متر مكعب سنويا، وهو أدنى مستوى يُسجل منذ سنة 1945، مضيفا أن المغرب عاش سبع سنوات متتالية من العجز المائي، بنسب نقص سنوية تراوحت بين ناقص 54% وناقص 85%. وقد كان لذلك تداعيات سلبية مباشرة على إنتاجية القطاع الفلاحي، من بينها فقدان حوالي 40 ألف هكتار من المساحة المخصصة للحوامض خلال خمس سنوات، وارتفاع الطلب على القطيع مع تسجيل غلاء في الأعلاف وارتفاع في الأسعار.
وبخصوص الاستغلال المفرط للفرشة المائية، أفاد الوزير أن حجم سحب المياه بلغ 5.4 مليارات متر مكعب سنويا مقابل قدرة استغلال مستدامة لا تتجاوز 2.2 مليار متر مكعب، أي بما يتجاوز المعدل الطبيعي بحوالي مرتين ونصف، وأبرز أن أكثر من 80% من الآبار والأثقاب تُستغل دون ترخيص، فيما انخفض منسوب فرشة سوس من 7 إلى 34 مترا خلال الفترة 2012-2023.
واستعرض وزير الماء التحسن المسجل بين دجنبر 2025 وفبراير 2026، حيث بلغت الواردات 13,87 مليار متر مكعب، مع تخزين 60% منها، ما مكن من رفع نسبة ملء السدود من 27.6% إلى 70.3%، مع تجاوز 80% في 37 سدا، بينها 13 سدا سجلت فائضا.
ونبه إلى أن هذا التقلب الحاد بين العجز والفائض، يبين أن المغرب لم يعد يعيش نظام جفاف تقليدي، بل دخل مرحلة الظواهر المناخية القصوى، حيث انتقل من عجز بـ 85% سنة 2021-2022 إلى فائض بـ 130% خلال أربع سنوات فقط. وهو ما يفرض إعادة النظر في السياسة الفلاحية والسياسة المائية.
وأفاد الوزير أن المغرب يتوفر على 156 سدا كبيرا بسعة تناهز 20.8 مليار متر مكعب، و150 سدا صغيرا ومتوسطا، و17 محطة لتحلية مياه البحر، و18 منشأة لتحويل المياه، موضحا أن القدرة السنوية للتحلية بلغت 350 مليون متر مكعب سنة 2025، مع إعادة استعمال 52 مليون متر مكعب من المياه العادمة، إلى جانب مشاريع الربط بين الأحواض المائية.
وشدد الوزير على أن التحكم في الموارد المائية هو المدخل الأساس للتحكم في السيادة الغذائية، مؤكدا أن التحدي والرهان اليوم لم يعد يتمثل في السعي إلى تحقيق اكتفاء ذاتي شامل، بل في بناء سيادة غذائية مرنة ترتكز على ثلاثة محاور أساسية، تتمثل في إنتاج وطني استراتيجي للمواد الحيوية، وإنتاج مختلط للمواد شبه الاستراتيجية يجمع بين التصنيع المحلي والاستيراد المؤطر، وكذلك انفتاح مرن ومدروس على الأسواق الدولية بالنسبة للمواد غير الحيوية.
المصدر:
لكم