قال باحثون ومفتشون تربويون إن النهوض بقطاع التعليم الأولي بالمغرب يقتضي إطلاق إصلاح دقيق يمكن من تحقيق الانسجام بين حجم الاعتمادات المالية المرصودة والمردودية المحققة، مبرزين أن هذا الإصلاح يجب أن ينطلق من محاربة الهشاشة وتسوية وضعية المربّيات والمربّين الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف.
وخلال ندوة نظمها المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، مساء أمس الثلاثاء، نبّه المتدخلون إلى تعدد وكثرة الفاعلين في هذا المجال، والحاجة إلى تقييم كفاءة عدد من المربين، فضلا عن تحديد موقعه من السياسة التعليمية بالبلاد ككل.
وأكد عبد الله الهلالي، مفتش في التوجيه وباحث في ميدان التربية والتعليم، أن “تقريرا للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سبق أن أفاد بكون 25 في المائة من المؤطرين في هذا المجال يتقاضون أقل من 2000 درهم شهريا، بينما تزيد أجور 42 في المائة عن 3000 درهم، بغض النظر عن التأخر الدوري في صرفها”.
وأوضح الهلالي، في مداخلته، أن “إصلاح التعليم الأولي بالمغرب يجب أن يمر عبر تعزيز الحكامة، إذ إن غالبية القرارات في هذا المجال لا تُتخذ بعد دراسات جدوى أو على أسس ومعايير معتمدة دوليا؛ ففي كثير من الأحيان يتم توسيع نطاق حجرات التعليم الأولي ليس على حسب حاجة الخارطة المدرسية إليها، وإنما رغبةً في تحقيق إحصائيات عددية لا غير”.
مواصلا تشخيص الوضعية كشف المتحدث أن “الجانب الشكلي كان حاضرا أكثر من نظيره التربوي في تدبير هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة، في وقت تفتقر عدد من فضاءات التعليم الأولي إلى مساحات للعب والاستراحة واستقبال آباء وأولياء المستفيدين”.
وبينما أشاد بالتقدم المحقق في توسيع دائرة البنية التحتية للتعليم الأولي بالعالم القروي شدّد المفتش التربوي ذاته على أن “الجانب التربوي يُغيّب في اختيار وتكوين المربيات والمربين، وفي معالجة قضايا التواصل مع أولياء الأمور وإبرام الشراكات، بما يجعل الجانبين المعرفي والتنشيطي يهيمنان على التدبير”.
من جهته قال الحسين أكرام، مفتش وباحث في قضايا التربية، إن “التحول في التعليم الأولي بالمغرب سيطرأ فعليا سنة 2018، بعد الرسالة الملكية التي تطرقت له، ومع إطلاق البرنامج الوطني لتعميم التعليم الأولي (2018 ـ 2028)”، مبرزا أن “هذا المجال يتميز بكثرة المتدخلين فيه”.
وأكد أكرام، ضمن مداخلته، أن “التعليم الأولي العمومي يعرف كثرة المتدخلين المرتبطين بالوزارة الوصية، بما فيها المؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي ومؤسسة زاكورة التي تشتغل مع الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، ومنظمة اليونيسيف، فضلا عن الفيدرالية المغربية للتربية والتعليم الأولي التي انطلقت كائتلاف جمعوي”.
وأمام مجموع الملاحظات المسجّلة أفاد المتحدث عينه بـ”وجود تدابير أولية لتأهيل هذا القطاع، على رأسها إقرار نظام أساسي عادل، لأن الشكل الذي تشتغل به الموارد البشرية غير مُرضٍ ولا يرتقي إلى التطلعات”، وزاد: “كما ينبغي تحديد الأدوار بدقة والانفتاح على التجارب الدولية الناجحة”.
وشدد الباحث نفسه أيضا على “ضرورة محاربة الهشاشة في ميدان التعليم الأولي من أجل الرقي به، باستحضار الأغلفة المالية المهمة التي يتم رصدها سنويا، وذلك مع الانفتاح على مختلف الأفكار والتجارب وخبرات الأطر العاملة في الميدان التربوي”، وأبرز، في السياق نفسه، أن “إشكاليات هذا القطاع بالمغرب عميقة، وترتبط بشكل مباشر بموقعه في السياسة التعليمية، رغم أنه يمثل ركيزة أساسية بالنسبة للتعليم المدرسي”، خاتما: “المدخل السياسي أساسيٌ في معادلة النهوض بالتعليم الأولي بالمغرب”.
المصدر:
هسبريس