آخر الأخبار

ارتفاع العجز التجاري بنسبة 5,1% يضع صادرات المغرب تحت المجهر

شارك

قرأ باحثون وخبراء اقتصاديون في ارتفاع العجز التجاري للمغرب بـ5,1 في المائة بنهاية أول شهور العام الجاري دلالات تعكس تحولات في بنية وهيكلة التجارة الخارجية للمملكة و”تحديات تستدعي تدراكا لوضعية الصادرات” التي تراجعت إجمالا، وفق أرقام رسمية لمكتب الصرف، بنسبة 2,7 في المائة، لتستقر عند 34,5 مليار درهم متم يناير الماضي.

وكشفت بيانات مكتب الصرف الخاصة بشهر يناير 2026 عن مشهد تجاري مركّب، لا تكفي القراءة الأحادية للأرقام لاستيعاب أبعاده الحقيقية؛ إذ تتشابك فيه مؤشرات النمو القطاعي مع مخاوف هيكلية متجذّرة، وتتقاطع معطيات الصادرات مع ضغوط الواردات في صورة تستدعي وقفة تحليلية معمّقة. فالعجز التجاري الذي تفاقم بنحو 5.1% لم يكن وليد ارتفاع الاستيراد وحده، وإنما كان في جوهره انعكاسا لتراجع صادرات سلع بما يناهز مليار درهم مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، مما يُحوّل دفة التشخيص من إدارة الطلب إلى إشكالية العرض التصديري ومنظومة القدرة التنافسية.

ويتقاطع تحليلَا خبيريْن اقتصاديين تحدثت إليهما هسبريس حول جوهر الإشكالية، غير أنهما يتمايَزان في زوايا التشخيص وأولويات التوصيف؛ فبينما يُركّز الأول على مظاهر الهشاشة البنيوية في القطاعات الأساسية وضرورة التحوّل نحو الصناعة التحويلية ذات القيمة المضافة، ينبه الثاني إلى إعادة ترتيب الأوزان النسبية بين القطاعات، مستحضرا ديناميات “الخدمات” وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بوصفها متنفّسا استراتيجيا للميزان الخارجي، مشددين على خلاصة واحدة: المغرب بلغ منعطفا يستوجب مراجعة هيكلية شاملة لا تحسينات جزئية لسياسته التجارية الخارجية.

“تناقضات” الصادرات

يرى المحلل الاقتصادي رشيد الساري أن المؤشرات الأخيرة الصادرة عن مكتب الصرف تحمل دلالات مزدوجة لا يمكن اختزالها في حكم إجمالي واحد؛ إذ تتعايش في الإطار ذاته مؤشرات صادرات “واعدة” مع أخرى “مثيرة للقلق”.

وقال الساري، في تصريح لهسبريس، إنه بينما سجل قطاع السيارات نموا بنسبة 19% ويُثبت قطاع الطيران حضوره التصديري بنمو يناهز 1%، مما يجسّد حصاد السنوات الطويلة من الاستثمار في التصنيع التصديري وتطوير النسيج الصناعي المنتج، فإن “الشق السلبي” لهذه الصورة يطغى على بريقها؛ إذ سجّل قطاع الفوسفاط تراجعا لافتا، فيما تقهقرت الصادرات الغذائية والصناعات التحويلية، “وهي القطاعات التي كانت تُشكّل تقليديا عماد الصادرات المغربية وعمقها الإنتاجي”.

وفي قراءته لمعادلة الميزان التجاري، رفض المصرح إسباغ “الطابع الإيجابي المطلق” على أداء قطاع الخدمات والسياحة، مستدلا بأن “ضخامة فاتورة الواردات، ولا سيما الطاقية منها، تجعل الفائض الخدماتي غير قادر على إحداث التوازن المأمول في ميزان المدفوعات، ليخلص إلى أن مخرج هذه المعضلة يكمن في “تعميق التصنيع وتنويع المشتقات، خاصة في قطاع الفوسفاط والصناعات الغذائية، لا في الاكتفاء بتصدير المواد الأولية بقيمتها الخام”.

وعلى صعيد استشراف المخاطر، حذّر الساري مما وصفه “وهم الاطمئنان” إلى قطاع السياحة؛ إذ تبقى هشاشته البنيوية عرضة للتقلبات الجيو-سياسية والأوبئة والشائعات الإقليمية، فضلا عن أن قطاع السيارات ذاته مهدَّد على المدى المتوسط بمتطلبات التحوّل العالمي نحو السيارات الكهربائية بحلول فترة 2030-2035. أما قطاع النسيج والصناعات التحويلية “فلا يزال دون مستوياته السابقة”، وهو ما يجعل الأرقام الراهنة في مجملها صورة لمشهد اقتصادي يستوجب “إصلاحا هيكليا جذريا لا ترقيعا آنيا”، وفق تقديره.

تحولات هيكلية عميقة

بسَط عبد الرزاق الهيري، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، قراءة تشخيصية “مغايرة” في منطلقاتها؛ عادّا أن جوهر المشكلة لا يكمن في الارتفاع النسبي للواردات التي شهدت في الواقع “استقرارا وانكماشا”، بل في التراجع الفعلي للصادرات بما يقارب مليار درهم خلال يناير 2026 مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي.

وفي تعليقه لجريدة هسبريس الإلكترونية عن الموضوع، اعتبر الهيري أن “انزياح بؤرة التشخيص من الواردات إلى الصادرات يعكس وعيا منهجيا دقيقا بطبيعة اختلال الميزان التجاري، ومنه اتساع العجز بنسبة 5.1% التي تضع القدرة التصديرية المغربية تحت مجهر المساءلة الاستراتيجية”.

على مستوى القطاعات، استوقف المحللَ الاقتصاديَّ ذاته “التراجعُ الحاد” في صادرات الفوسفاط بنسبة 43.4%، قارئا إياه بوصفه “تصحيحا دوريا طبيعيا في أعقاب الارتفاعات الاستثنائية” التي صاحبت الأزمة الأوروبية بين 2022 و2023، مع التنبيه إلى “أهمية التمييز الدقيق بين ما هو طارئ وما قد يكون بداية تراجع هيكلي متجذّر”.

في المقابل، لم يخفِ مدير مختبر التحليلات والتوقعات الاقتصادية بجامعة فاس ارتياحه لأداء قطاع السيارات الذي حقق نموا بنسبة 20%، مستدلّا به على نضج استراتيجية التصنيع التصديري وقدرتها على إعادة تشكيل بنية الصادرات المغربية على المدى البعيد.

واستكمل الهيري مشهد التحليل بالإشارة إلى دور “الإيرادات غير المرئية” بوصفها “صمام أمان” للميزان الخارجي للمملكة؛ إذ يُسجّل قطاع الخدمات فائضا بلغ 14 مليار درهم، وتُحافظ تحويلات مغاربة الخارج على مستوياتها عند نحو 9.4 مليارات درهم رغم “تراجع طفيف”.

وعلى المدى المنظور يرى أستاذ العلوم الاقتصادية أن “عام 2026 سيكون عاما للتباين القطاعي الحاد بين صناعات القيمة المضافة العالية وقطاعات الإنتاج التقليدي”، في ظل تقلبات الفاتورة الطاقية ومخاطر الاضطرابات الجيو-سياسية، ليخلص إلى أن المغرب أمام “تحوّل عميق يستلزم يقظة استراتيجية دائمة وليس مجرد إجراءات ظرفية”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا