في خضم الحركية التجارية المكثفة التي يشهدها شهر رمضان الأبرك، كشفت الحكومة المغربية عن حصيلة عمليات مراقبة الأسواق الوطنية خلال الأسبوع الأول من شهر الصيام، مسجلة أرقاما تعكس استنفارا ميدانيا واسعا وتحركات امتدت، أساسا، منذ مطلع شهر شعبان وحتى السادس من رمضان؛ إذ نفّذت لجان المراقبة ما يناهز 43,412 عملية ميدانية، أسفرت عن رصد 4038 مخالفة، حيث تم توجيه 1101 إنذار، في حين أُحيل 2937 محضرا على المحاكم المختصة للبتّ فيها، في رقم لافت.
وعلى الرغم من تأكيدات الحكومة على وفرة السلع واستقرار الإمدادات وتتبّع بلجنة تعقد اجتماعات أسبوعية وحجزها لأزيد من 273 طنا من المواد غير الصالحة للاستهلاك، فإن هذه “الحصيلة الرقمية” أثارت ردود فعل متباينة بين الفاعلين في مجال حماية المستهلك الذين التقطوا في هذه الأرقام دلالات تتجاوز مجرد الضبط الإحصائي، داعينَ إلى مقاربة تزاوج بين الزجر والتحصين الهيكلي للسوق.
مذكّرا بأن “تنظيم السوق هو القاعدة”، قال أحمد بيوض، الرئيس المؤسس لجمعية “مع المستهلكين” ومستشار مختص في المجال، إن المراقبة “ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي أداة يجب أن تُبنى على أرضية صلبة من التنظيم الهيكلي لبنية الأسواق ومختلف سلاسل التسويق”.
ورهَن بيوض “نجاعة أيّ تدخل رقابي” بمدى هيكلة وتنظيم السوق الوطني. واسترسل شارحا لجريدة هسبيريس أن “المراقبة في ظل العشوائية تظل مجهودا محدود الأثر”، مشددا على أن مطلب “تنظيم السوق” هو المطلب الأساسي الذي يجب أن يسبق أية عملية ضبط ميدانية لضمان ديمومة النتائج”.
وفي قراءته للأرقام المعلنة، اعتبر بيوض أن بلوغ عدد المحاضر المحالة على القضاء 2,937 محضرا من أصل 4,038 مخالفة مرصودة (أي ما يمثل حوالي 75 في المائة) هو “ناقوس خطر” حقيقي يعكس حجم الخروقات التي تمس سلامة وجودة؛ ما يُعرض للمستهلك المغربي.
وتساءل “بنبرة ملؤها القلق والتوجس” عن حجم المخالفات التي قد تظهر لوْ شملت المراقبة كافة المنتجات الوطنية ولم تقتصر على العينات المراقبة، واصفا الأرقام الحالية بأنها “قمة جبل الجليد”.
كما نبه رئيس جمعية “مع المستهلكين” إلى وجود مخاطر “غير مرئية” قد تغيب عن أعين لجان المراقبة الميدانية، لا سيما تلك المتعلقة بـ”بقايا المبيدات الحشرية والأسمدة في الخضر والفواكه”؛ وهي سموم تتطلب “مختبرات متخصصة وتتبعا دقيقا من المنبع”.
وختم بيوض حديثه لهسبريس بالتأكيد على ضرورة خروج المراقبة من جلباب “الموسمية” المرتبطة بشهر رمضان، لتصبح سلوكا إداريا مستمرا طيلة شهور السنة، منتقدا في الوقت ذاته “التضارب غير المبرر في أسعار بعض المواد الاستهلاكية الشعبية”.
ثمّن عبد الكريم الشافعي، نائب رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك ورئيس الفيدرالية الجهوية لحقوق المستهلك بجهة سوس ماسة، المجهودات الميدانية المبذولة، واصفا إياها بـ”التعبئة الاستثنائية”.
وأوضح الشافعي، في تصريح لجريدة هسبريس، أن اللجان المختلطة تعمل تحت إشراف مباشر من الولاة والعمال، بهدف قطع الطريق على “الوسطاء والمضاربين الذين يحاولون استغلال ظرفية رمضان للإضرار بالقدرة الشرائية للمواطنين”.
وأبرز نائب رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك أن ميزة المراقبة لموسم رمضان 1447 هـ تكمن في شمول وتنوع الفرق المتدخلة، حيث تضم لجان المراقبة ممثلين عن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA) والأقسام الاقتصادية للعمالات والمكاتب الصحية الجماعية والدرك الملكي والسلطات المحلية والجمارك، مع “حضور وازن” لجمعيات حماية المستهلك.
وأشار الفاعل المدني إلى هذا التنسيق يهدف إلى “تغطية كافة جوانب المعاملات التجارية؛ بدءا من جودة المنتج، وصولا إلى قانونية العرض”.
وفيما يخص طبيعة المخالفات، أوضح الشافعي أن لجان المراقبة تركز بشكل صارم على منع الأكياس البلاستيكية نظرا لخطورتها القانونية والبيئية، بالإضافة إلى مراقبة “إشهار الأسعار” في المواد غير المقننة، و”التحقق من سلامة وصلاحية المواد الغذائية”.
ونوّه المتحدث لهسبريس إلى أن هذه الحملات بهذا الجهد يجب أن تطال الأسواق طيلة شهور السنة، وليس برمضان فقط.
كما استحضر الشافعي إثمار الجهود “حجز كميات مهمة” من المواد الفاسدة التي كانت تشكل تهديدا للصحة العامة، مختتما بالتأكيد على أن هذه اللجان تعقد اجتماعات دورية لتقييم الحصيلة وتعديل خطط التدخل، مشددا على أن الهدف الأسمى هو ترسيخ ثقافة الامتثال للقانون لدى التجار وحماية حقوق المستهلك المغربي بشكل يومي ودائم.
المصدر:
هسبريس