آخر الأخبار

الصيام وضبط الانفعال .. رمضان يحول الضغوط النفسية إلى قوة داخلية

شارك

يطرح موضوع الصيام والتوازن الانفعالي في مواجهة الضغوط اليومية نفسه بقوة، بوصفه مجالا للتأمل في العلاقة بين التجربة التعبدية والبناء النفسي للفرد؛ إذ يفتح هذا التقاطع أفقا لفهم أعمق لكيفية تفاعل الإنسان مع متغيرات حياته اليومية وهو يعيش زمنا مختلفا في إيقاعه ومعناه، زمنا تتداخل فيه الأبعاد الروحية والنفسية ضمن سياق اجتماعي متحرك.

من هذا المنطلق يبرز تساؤل محوري حول طبيعة هذه العلاقة، ولا سيما في اللحظة التي يتحول فيها الصيام إلى رافعة داخلية تعزز القدرة على التكيّف وتخفف من حدة الضغوط اليومية، وفي المقابل حين يتداخل مع عوامل أخرى فيفاقم الإحساس بالضغط النفسي، مما يجعل أثر التجربة متباينا تبعا للسياقات المحيطة والخصوصيات الفردية.

ضبط الانفعال

ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إن “الصيام يمكن أن يكون أداة عميقة لتعزيز التوازن الانفعالي في مواجهة الضغوط اليومية، لكنه قد يتحول في بعض الحالات إلى عامل يزيد من حدّة التوتر، ويتوقف ذلك إلى حدٍّ كبير على كيفية عيش الفرد تجربة الصيام نفسيا، وعلى بنيته الانفعالية وسياقه البيولوجي والاجتماعي”.

وأوضحت الفضل، في تصريح لهسبريس، أن “الصيام عندما يُعاش كاختيار واعٍ مرتبط بالمعنى والقيم الروحية، فإنه يعزز الإحساس بالتحكم الداخلي والقدرة على ضبط الذات. وفي هذه الحالة، لا يكون الامتناع عن الطعام مجرد حرمان جسدي، بل تمرينا على تأجيل الإشباع وتحمل الإحباط، وهما مهارتان أساسيتان في التكيّف مع الضغوط”.

من منظور تحليلي، أشارت المعالجة النفسية إلى أن “الصيام يمكن اعتباره شكلا من أشكال التسامي؛ إذ تُحوَّل الدوافع البيولوجية إلى طاقة رمزية ذات معنى، مما يقوي الأنا ويزيد من تماسكها، كما أن ممارسة الصيام في سياق اجتماعي داعم، كما يحدث خلال شهر رمضان، يعزز الشعور بالانتماء والمساندة، وهو عامل وقائي مهم ضد الضغط النفسي”.

وأكدت أنه “عندما يتمتع الفرد بقدرة جيدة على تنظيم انفعالاته وبنية نفسية مستقرة نسبيا، يصبح الصيام فرصة لتعزيز الصبر وضبط الاندفاع وتنمية الوعي الذاتي، وقد يساهم أيضا، إذا اقترن بنوم كافٍ وتغذية متوازنة، في تحسين بعض المؤشرات البيولوجية المرتبطة بالتوتر”.

في المقابل، نبّهت المتحدثة ذاتها إلى أن “الصيام قد يزيد من الإحساس بالضغط عندما يُعاش كفرض قاسٍ أو استجابة لشعور بالذنب والخوف، خاصة إذا كان الفرد يحمل ‘أنا أعلى’ صارمة تُغذّي النقد الذاتي، وهنا يتحول الصيام من تجربة روحية إلى ساحة صراع داخلي، فيرتفع مستوى القلق بدل أن ينخفض”.

وأضافت أن “الأشخاص الذين يعانون من هشاشة في تنظيم الانفعال، أو اضطرابات مزاجية، أو تاريخ مع اضطرابات الأكل، قد يواجهون صعوبة أكبر في التكيف مع تغيرات النوم والطاقة المصاحبة للصوم، مما يؤدي إلى زيادة التهيج أو الإرهاق أو الحساسية تجاه الضغوط اليومية”.

في سياق آخر، شددت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية على أن “الصيام إذا تزامن مع ضغوط مهنية أو أسرية مرتفعة دون وجود استراتيجيات دعم أو تفريغ انفعالي، فقد يتضاعف الشعور بالاستنزاف النفسي”، مضيفة أن “الجوع وقلة النوم قد يخفضان عتبة التحمل ويضعفان القدرة التنفيذية على إدارة الانفعالات”.

وختمت الفضل توضيحها قائلة: “الصيام ليس في ذاته عاملا مهدئا أو ضاغطا، بل يتحدد أثره وفق معنى التجربة لدى الفرد، ومستوى نضج الأنا، والظروف البيولوجية والاجتماعية المحيطة به. وعندما يُمارَس بوعي، وضمن توازن صحي، يمكن أن يكون وسيلة فعّالة لتعزيز القدرة على التكيّف مع ضغوط الحياة اليومية. أما حين يُثقل بالصراعات الداخلية أو يُمارَس في سياق هشّ، فقد يتحول إلى عبء إضافي على الجهاز النفسي”.

آليات التكيّف

من جانبه، قال هشام العفو، متخصص ومعالج نفسي، إن “الصيام تجربة إنسانية عميقة تتشابك فيها الأبعاد الروحية والجسدية والنفسية، وعلاقته بالضغط النفسي ليست علاقة ثابتة، بل تتوقف على جملة من العوامل المتعلقة بالشخص وظروفه ومحيطه”.

وأفاد العفو، في تصريح لهسبريس، بأن “الصيام يُسهم في تعزيز القدرة على التكيّف حين تتوفر شروط ثلاثة هي الإرادة الواعية، والدافع الروحي، والاستعداد الجسدي”، موضحا أن “من الناحية العصبية، يُحفّز الصيامُ المنتظم إفرازَ هرمون “FNDC” (Facteur Neurotrophique Dérivé du Cerveau)، وهو بروتين يدعم نمو الخلايا العصبية ويُعزز المرونة النفسية في مواجهة الضغوط”.

وأضاف المتحدث، في السياق ذاته، أن “الصيام يُنشّط آليات التحمّل الذاتي في الجهاز العصبي، ويُقوّي ما يُعرف علميا بالكفاءة الذاتية، أي الإحساس بالقدرة على التحكم في الذات والسلوك، وهو من أقوى العوامل الوقائية من الاضطرابات النفسية”.

وعكس ما سبق، قال هشام العفو إن “الصيام قد يتحوّل إلى مصدر إضافي للضغط حين تغيب الشروط السابقة، أي إن انخفاض مستوى الغلوكوز في الدم خلال ساعات الصيام يُضعف أداء الفص الجبهي، وهو المنطقة المسؤولة عن تنظيم الانفعالات واتخاذ القرار، مما يجعل الشخص أكثر اندفاعا وهشاشة أمام المواقف الضاغطة”.

وشدد المتخصص والمعالج النفسي على أن “الحرمان من النوم الناتج عن السهر الرمضاني قد يُفاقم إفرازَ هرمون الكورتيزول (Cortisol)، وهو الهرمون المرتبط بالتوتر المزمن، فيزيد الضغط النفسي بدلا من أن يتراجع. أما الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية غير معالجة، أو إدمان، أو أمراض مزمنة، فإن الصيام قد يُثقل كاهلهم النفسي ويُضعف قدرتهم على التكيّف بدلا من تعزيزها”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا