د. جمال العزيز
تشكل الحرب الدائرة ضد إيران لحظة مفصلية في مسار التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط وخارجه. فالأمر لا يتعلق فقط بتصعيد عسكري أو مواجهة اقتصادية إمبريالية ، لكن باختبار عميق لمفهوم الشرعية السياسية و قدرة الدول على الصمود حين تتعرض لضغوط خارجية مكثفة.
لقد تم بناء التجربة الإيرانية منذ عقود على خطاب ثوري قائم على فكرة المواجهة الدائمة ومقاومة العزلة. غير أن التحولات الدولية، وتزايد الترابط الإقتصادي العالمي، وتراكم التحديات الداخلية، أظهرت حدود هذا النموذج. فالعزلة لم تعد قابلة للإستدامة في عالم تتشابك فيه المصالح، والخطاب الثوري حين لا يواكبه إنجاز اقتصادي واجتماعي ملموس، يبدأ في فقدان زخمه التعبوي و يتراجع منسوب الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتتسع المسافة بين الحاكم والمحكوم.
الحرب في جوهرها، امتحان لعلاقة الدولة بمجتمعها. حين تهتز الثقة، يصبح الداخل أكثر هشاشة من أي تهديد خارجي. وحين تتآكل الشرعية، لا تعوضها قوة الردع مهما بلغت. إن الدرس الأبرز من التحولات الجارية هو أن الدولة القوية تبدأ من تماسك جبهتها الداخلية، ومن قدرتها على تجديد عقد الثقة بين الحاكم والمحكوم.
في هذا السياق المضطرب، يبرز المغرب كنموذج متوازن بفضل مؤسساته وعلى رأسها المؤسسة الملكية؛ بما راكمته من خبرة تاريخية ورؤية متبصرة لضمان الإستقرار والإستدامة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية ووحدة الإتجاه؛ وأيضا باعتماد مقاربة مرنة في تدبير جميع التحولات . هذه المرونة، القائمة على الإصلاح التدريجي وتعزيز المؤسسات، ساهمت في تحصين الداخل المغربي في محيط إقليمي يتسم بالتقلب.
غير أن الإستقرار ليس معطى ثابتا ،لكن مسؤولية دائمة. فالمرحلة تقتضي تعميق الثقة في المؤسسات الوطنية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجديد النخب بما ينسجم مع تطلعات المجتمع. إن الإستحقاقات التشريعية المقبلة ليست مجرد محطة انتخابية، لكن فرصة لإعادة بعث نفس ديمقراطي إضافي، ومحاربة الإمتيازات الموروثة ومنطق التزكيات الفاسدة، وتمكين الشباب من موقعهم الطبيعي في الفعل السياسي والإقتصادي والإجتماعي.
الشباب المغربي اليوم في حاجة إلى فضاءات فعل حقيقية لإشراكه في القرار، وفتح المجال أمام الكفاءات الجادة ، لتجدد الحياة السياسية وتساهم في تعزيز مناعة الدولة.
كما أن التحولات الجيوسياسية تفرض التسريع بتأسيس مختبرات للتفكير الإستراتيجي، ومراصد للسياسات العمومية، ومنصات للإبتكار والدمج. فالدول التي تستثمر في المعرفة وتخطط بعين استشرافية هي الأقدر على التعامل مع عالم سريع التحول.
وعلى المستوى الدولي، فإن انضمام المغرب إلى مجلس السلام برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية يعكس تموقعا دبلوماسيا متوازنا، يجمع بين الشراكة الإستراتيجية والمساهمة الفاعلة في دعم الإستقرار الدولي. هذا الإنضمام يعزز الدور المحوري للمغرب في فضائه الإفريقي والإقليمي والعالمي، ويؤكد أن المغرب قادر على لعب أدوار مهمة في قدرته على إدارة التوترات، وتقديم بدائل عملية.
إن تحولات الحرب ضد إيران وبروز سياسة اللايقين تذكرنا بأن القوة الحقيقية للدول تكمن في ثقة المواطن في مؤسساته، وبقدرة الدولة على التجدد دون أن تفقد ثوابتها. أما تلك التي تراهن على نخب جامدة ومسؤولين فاسدين دون تحديث مؤسساتي، فتجد نفسها أمام تآكل بطيء يصعب احتواؤه.
في عالم يعاد تشكيله على وقع الصراعات، يبقى الرهان على الحكمة السياسية،و بناء عقد ثقة متجدد بين الدولة والمجتمع. فالدولة القوية تنتصر في معركة الداخل، وتؤسس لمستقبل يقوم على الإستقرار والإصلاح والتجدد المستمر.
المصدر:
هبة بريس