يسلط الباحث الأكاديمي جمال أبرنوص، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، في هذا الحوار الذي أجرته معه هسبريس، الضوء على مسار الدراما الأمازيغية وتحولاتها خلال السنوات الأخيرة، متوقفا عند ما حققته من تراكم مهني وجمالي، وما يواجهها في المقابل من إكراهات إنتاجية ومؤسساتية.
ويرى أبرنوص أن هذا المسار يتسم بمنحى تصاعدي واضح، غير أن وتيرته تظل غير متجانسة بسبب إكراهات منظومة الإنتاج داخل الإعلام العمومي. كما يناقش الجدل المتجدد حول علاقة الدراما الأمازيغية بمرجعيتها القروية، معتبرا أن الأمر لا يتعلق بحالة انقسام أو فصام، بل بمرحلة انتقالية لا حرج أن تتداخل فيها الذاكرة القروية مع شروط الإنتاج المديني.
وشدد الباحث ذاته على أن تطوير الدراما الأمازيغية لا يحتاج إلى تحسين الأدوات التقنية فقط، بل يقتضي ترسيخ رؤية ثقافية واعية قادرة على تجاوز الاستنساخ الجمالي والنماذج الدرامية الجاهزة، وجعل الفن فضاء لمساءلة التحولات الاجتماعية وإعادة تعريف الهوية ضمن أفق معاصر.
نصّ الحوار
إذا تأملنا المسار العام للإنتاج الدرامي الأمازيغي خلال السنوات الأخيرة، أمكننا أن نلحظ منحى تصاعديا يتكرس موسما بعد آخر، فقد أخذت الخبرة المهنية تتبلور على نحو أكثر رسوخا، وشرع الوعي الجمالي يتعزز بالتدريج داخل عدد من أطوار الفعل الدرامي. والحقيقة أن هذا التطور لا يجب أن يقاس بمؤشر ظرفي أو بعمل معزول، بل يجب أن يقرأ ضمن أفق إبداعي أوسع يشهد على تجاوز الدراما الأمازيغية مرحلة البدايات المتعثرة، وشروعها في تثبيت حضورها داخل الخريطة الرمضانية بوصفها مكونا قائما بذاته لا مجرد إضافة عابرة.
غير أن التمحيص الدقيق في بنية الإنتاج يبين أن وتيرة التقدم ليست متجانسة في جميع المستويات والعناصر، وهو تفاوت ناشئ جزئيا، في نظري، عن طبيعة منظومة الإنتاج الخارجي التي تؤطر اشتغال دراما الإعلام العمومي إجمالا. فحين يتم تقييد العملية الإبداعية بإكراهات تنظيمية ومالية وإجرائية تحدد سقف الزمن وميزانية التنفيذ ومساراته، يغدو هامش المناورة الفنية محكوما باعتبارات غالبا ما تتجاوز الحماس الفردي لكافة المتدخلين في العملية الإنتاجية، مبدعين كانوا أو حتى مسؤولين في دواليب المنظومة الإعلامية العمومية، مثلما يتحول التطور، في الآن نفسه، إلى معادلة مركبة تتقاطع فيها الطموحات الجمالية مع حدود البنية المؤسسية. وعليه، بوسعي القول إن الاتجاه العام للدراما الأمازيغية يظل إيجابيا من حيث المنحى، غير أن النسق البنيوي للإنتاج يظل عاملا حاسما في تحديد إيقاع هذا التطور ومداه وآفاقه الممكنة.
أفضل أن أقرأ ما يحدث بوصفه طورا انتقاليا في مسار الدراما الأمازيغية، لا بوصفه فصاما. فالفصام يفترض انقساما حادا بين ذاتين متعارضتين، في حين تعكس الدراما الأمازيغية تداخلا وتجاورا بين مرجعيتين، إحداهما متجذرة في الذاكرة القروية بما تحمله من رموز وطقوس وأنماط عيش، وأخرى منبثقة داخل شروط الإنتاج المديني بإيقاعه السريع وأدواته التقنية وقيمه المستجدة. واضح أن هذا التداخل يخلق توترا، لكنه توتر خصب إذا تم توجيهه بذكاء، لأن المدينة المغربية في النهاية ليست نقيض القرية، بل هي امتدادها التاريخي في سياق مختلف. ومن ثم، فإن المطلوب، في تقديري، ليس أن نعلن القطيعة مع أحد الفضاءين، ولكن أن ندير العبور بينهما بوعي جمالي يسمح بنقل الرموز من بيئتها الأولى إلى سياق جديد يعيد تأويلها ويختبر قدرتها على الصمود أو التحول.
لا يتعلق الأمر بمنزع دفاعي كما تفضلت، بقدر ما يتعلق بحرص على رؤية تدرجات مخاض الانتقال، وإني أدعوك إلى النظر إلى المسألة في سياقها التاريخي، عساك تكتشف أن ما يبدو للوهلة الأولى اجترارا قد يكون في حقيقته محاولة حثيثة لاستدراك زمن إعلامي مهدور. لقد عانت الأمازيغية من التهميش في المجال السمعي البصري لردح من الزمان، في حين استطاعت الدارجة المغربية أن تؤسس، منذ بدايات التلفزة الوطنية، رصيدا دراميا استثمر القرية المغربية بوصفها خزانا سرديا مركزيا، سواء عبر إنتاجات احتضنتها مؤسسات مثل الإذاعة والتلفزة المغربية، أو عبر تجارب سينمائية مبكرة جعلت من الفضاء القروي خلفية رمزية لأسئلة اجتماعية عميقة. في المقابل، لم تتح للدراما الأمازيغية المساحة الزمنية نفسها لبناء أرشيفها البصري والوجداني. لذلك، فإن العودة اليوم إلى القرية لا تجري بفعل الحنين، بل بغاية استثمار ذاكرة مهددة بالاندثار بفعل التحولات السوسيولوجية الكبرى؛ إذ تتغير أنماط العيش وتتفكك البنيات التقليدية بوتيرة متسارعة. إننا نشتغل، بموجب ما ذكرت، تحت ضغط زمنين في آن واحد: زمن الحاضر الذي يدعونا إلى اللحاق بإيقاعه، وزمن الماضي الذي نخشى أن يفلت من بين أيدينا قبل أن نحوله إلى مادة جمالية قابلة لإعادة القراءة.
أظن أن جوهر المسألة لا يكمن في الفضاء بقدر ما يكمن في زاوية النظر إليه؛ إذ يمكن تقديم القرية باعتبارها فردوسا مفقودا وفضاء طهرانيا خاليا من كل أشكال التوتر، كما يمكن تقديمها بوصفها بنية اجتماعية معقدة تحمل في داخلها روابط التعايش والتضامن والقيم الإيجابية مشوبة بأشكال من القمع والانغلاق وغيرهما من القيم السلبية. حين نختار القراءة الثانية نكون قد فتحنا الباب أمام دراما حديثة حتى وإن ظل فضاؤها قرويا، لأن الحداثة لا تقاس، في جوهرها، بعلو المساكن وبريق الأضواء، بل بجرأة الأسئلة. إن الانتقال السلس الذي أدعو إليه يعني أن نجعل القرية مختبرا دراميا حيا نعالج فيه أسئلتنا الراهنة ونفكك عبره تحولاتنا الاجتماعية، بل وأن نصحبها معنا إلى المدينة عبر شخصيات ومحكيات تعالج فعل العبور بكل ما يحمله من ارتباك وتفاوض وإعادة ترتيب للقيم. وبهذا المعنى تصبح القرية حلبة لتحليل التحول لا ملاذا للهروب منه، كما تتحول الذاكرة من درع دفاعي إلى موضوع للفحص والمساءلة.
صحيح أن الإعلام العمومي يتحرك ضمن منطق الاستقرار ويخاطب شريحة واسعة تميل إلى الألفة القيمية، غير أن هذا لا يعني أن الأفق مسدود. ذلك أن الجمهور، حتى حين يبدو محافظا، يظل قابلا للتطور إذا قدمت له التحولات ضمن مقترحات فنية ذكية لا تصادمه مباشرة ولا تستخف بوعيه في الآن نفسه. لقد بينت التجربة المغربية في سياقات لغوية أخرى أن الذوق العام يمكن أن يتسع تدريجيا لقضايا أكثر تعقيدا متى شعر بأن الأسئلة المطروحة تنبع من داخله ولا تفرض عليه من الخارج. ومن ثم، فإن التحدي لا يكمن في تجاوز السقف دفعة واحدة، بل في توسيعه ببطء عبر إدخال عناصر نقدية داخل بنية مألوفة، بحيث يشعر المتلقي بأنه ينتقل من منطقة الأمان إلى أفق أرحب دون أن ينتزع من جذوره دفعة واحدة.
أنا أرى في ما يحدث مخاضا طبيعيا من شأنه أن يفضي إلى نضج تاريخي أكثر مما أرى فيه مأزقا وجوديا. صحيح أن التوتر القائم بين الاشتغال على الماضي وبين اللحاق بإيقاع الحاضر يولد بطبيعته ارتباكا مرحليا، لكنه يفتح في الوقت ذاته إمكانات غير مسبوقة. فالدراما الأمازيغية مدعوة اليوم إلى الاشتغال على موروث لم يستثمر بما يكفي، وأن تعيد صياغته في الآن ذاته داخل شروط معاصرة، الأمر الذي يضعها في موقع فريد يمكن أن يحول القلق إلى مادة إبداعية. وإذا استحضرنا أن الهوية ليست جدارا يحاصرنا بل جسر نعبر عليه نحو صيغ جديدة من التعبير، سندرك أن إطالة البقاء في القرية للحظات إضافية ليس نكوصا، كما أن العبور إلى المدينة ليس خيانة ولا إنجازا، فالخياران يشكلان معا حلقتين في مسار واحد يسعى إلى تثبيت حضور الأمازيغية داخل المشهد الدرامي بوصفها لغة قادرة على حمل الذاكرة ومساءلة الحاضر في الآن نفسه.
أنا على قناعة راسخة بأن تطوير الدراما الأمازيغية لا يحتاج فقط إلى تحسين الأدوات التقنية أو رفع مستوى الصناعة من حيث الكفاءة التنفيذية؛ فهذه العناصر، على أهميتها، تظل محايدة إذا لم تسند برؤية ثقافية واعية. وأنا لا أعني بهذه الرؤية الواعية ما قد يدعونا إلى الانغلاق على خطاب جوهراني يرفض التحديث، بل أعني بها إدراكا مؤسسا يرى أن كل بناء سردي هو تمثيل رمزي للعالم، وأن هذا التمثيل يساهم في إنتاج المعنى الاجتماعي للهوية.
فحين يفتقر المتدخلون، سواء كانوا مسؤولين مركزيين أو منتجين أو مخرجين أو كتاب سيناريو أو تقنيين أو ممثلين، إلى خلفية ثقافية قادرة على استيعاب هذا البعد الرمزي، تتحول الأعمال إلى هندسة شكلية تستعير القوالب الجاهزة من الدراما الإقليمية أو العالمية. والنتيجة غالبا ما تكون أعمالا تفتقد العمق؛ إذ تنشغل بإعادة تدوير موضوعات وكليشيهات تجارية أو درامية مبتذلة تظل حبيسة الصراعات الاجتماعية المستهلكة، فتغدو بعيدة عن تمثيل التحولات الاجتماعية والأنثروبولوجية التي يعيشها المجتمع.
أما إذا أدمج الوعي الثقافي في صميم العملية الإنتاجية، على نحو يدرك فيه الجميع أن الاختيارات الفنية ليست محايدة، وأنها تحمل دلالات تتعلق بصورة الذات والآخر، فإن الدراما تتحول إلى مجال للتفكير الرمزي في الواقع. وعندها لا ينظر إلى استحضار الموروث بوصفه تكرارا نوستالجيا، بل باعتباره إعادة قراءة نقدية لهذا الموروث في ضوء الحاضر؛ كما يصبح الانتقال إلى الفضاء المديني أو معالجة التحولات الاجتماعية موضوعا دراميا قادرا على كشف التوترات البنيوية للمجتمع دون أن يفقد صلته بالجذور الثقافية.
بهذا المعنى، فإن الرهان الحقيقي ليس هو بناء صناعة درامية تمتلك كفاءة تقنية عالية فحسب، بل خلق تجربة فنية واعية برسالتها الثقافية. فالفن، في مستواه الأرقى، لا سيما في سياق الإعلام العمومي ذي الوظيفة الرسالية، ليس مجرد سلعة أو منتج ترفيهي، ولكنه خطاب جمالي يشارك في تشكيل الوعي، ويعيد صياغة الأسئلة الكبرى حول الإنسان والمجتمع. وإذا تحقق هذا التوازن، أمكن للدراما الأمازيغية أن تتجاوز خطر الاستنساخ وأن تسهم في إثراء المشهد الثقافي المغربي، بوصفها تعبيرا أصيلا عن تجربة تاريخية واجتماعية فريدة.
لكن مبدأ الإنصاف يحثني على القول إن الساحة لا تخلو من فاعلين متميزين يمتلكون هذا الوعي الثقافي، يتوزعون على امتداد سلسلة الإنتاج الدرامي الأمازيغي برمته، من مواقع القرار والمسؤوليات المركزية إلى فرق التنفيذ داخل بلاطوهات التصوير. هؤلاء يدركون أن الممارسة الدرامية ليست مجرد حرفة تقنية، بل مسؤولية حضارية ورمزية أيضا، لذا تراهم يقاومون إغراءات الدراما المعولمة وأطرها النمطية، ويسعون إلى توظيف الأدوات الفنية بما ينسجم مع خصوصية التجربة الأمازيغية وتحولاتها الاجتماعية. ولا شك أن الرهان على أمثال هؤلاء كبير جدا إذا شئنا بلورة تجربة درامية أمازيغية رفيعة قادرة على الجمع بين الكفاءة المهنية والعمق الرمزي، وبين الانفتاح على العالم والوفاء لخصوصية السياق الثقافي.
المصدر:
هسبريس