آخر الأخبار

“بوعار وأفتخر”.. قصة شاب مغربي كسر قيود “البركاصة” ليصنع كرامته (فيديو)

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في وقت كانت فيه مهنة النبش في القمامة ترتبط في المخيال الشعبي بالتشرد أو الاضطرابات النفسية، تحولت اليوم إلى نشاط اقتصادي قائم بذاته، يوفر مورد عيش لعشرات الأسر في هوامش المدن والقرى المغربية. فمع التحولات الاجتماعية وغلاء المعيشة واتساع المجتمع الاستهلاكي، لم تعد “البركاصة” مجرد سلوك اضطراري، بل أصبحت قطاعا غير مهيكل يدر دخلا متفاوتا لمن اختاروه –أو اضطروا إليه– بابا للرزق.

في مدينة الجديدة، يعرف محمد (31 سنة) نفسه بكل وضوح: “أنا بوعار.. وأفتخر”، شاب في مقتبل العمر، يحمل قفازاته ويرتدي ملابس خاصة حتى لا تلتصق الأوساخ بثيابه، ويتهيأ مع حلول الظلام لبدء جولته الليلية، يمتطي دراجته ثلاثية الدفع، كتب عليها بخط عريض كلمة “بوعار”، متجها نحو الحاويات المنتشرة في الشوارع، بحثا عما يمكن إعادة تدويره أو بيعه.

يقول محمد إن، “باب البركاصة هو الباب الوحيد الذي لم يُغلق في وجهي”، عبارة تختصر مسارا لم يكن سهلا، طرق أبوابا كثيرة للعمل، اشتغل في مهن متعددة، لكنه لم يجد الاستقرار إلا هنا، في عالم القمامة. “أبحث عن الخبز اليابس، البلاستيك، الكارطون، الزجاج، المعادن، أي شيء يمكن أن أستفيد منه، أحيانا أجد حتى بقايا خضر وفواكه”، يوضح وهو يستعد لسباق يومي مع الوقت.

المنافسة حاضرة بقوة في هذا المجال، لذلك يتحرك بسرعة خلال جولته التي لا تتجاوز في الغالب ساعتين أو ثلاثا، “إذا تأخرت، قد يسبقني آخرون ويأخذون السلعة”، يقول محمد بنبرة عملية في لقاء مع “العمق”، مشيرا إلى أن الوسيلة التي يعتمدها “البوعار” تحدد حجم المحصول: هناك من يشتغل بعربة مجرورة، آخرون بدواب، وبعضهم بدراجات نارية، وكلما تطورت الوسيلة ارتفع هامش الربح.

دخل محمد غير قار، في الشتاء يتراوح ما بين 100 و300 درهم يوميا، وقد تمر أيام دون أي مردود، أما في الصيف فقد يصل إلى 400 درهم. “أحمد الله في كل الأحوال”، يرددها بإيمان واضح، ويؤكد أنه يعيش حياته بشكل طبيعي: “بعد انتهاء العمل أستحم، أتعطر، وأخرج مثل أي شاب، أبحث عن الترفيه لأخفف عن نفسي”.

وكشف محمد أن أصعب ما يواجهه ليس الرائحة الكريهة ولا الزجاج المكسور ولا مخاطر العدوى، بل نظرة بعض الناس، “هناك من يحترمك ويساعدك، ومن يعطيك مواد لإعادة بيعها أو حتى دعما ماليا، لكن هناك أيضا من يحتقرك”. يتذكر بحسرة موقفا ظل عالقا في ذهنه: “سمعت أبا يقول لابنه إذا لم تدرس ستصبح مثل هذا البوعار”. كلمات وصفها بأنها “جرحتني في البداية”، قبل أن يقرر التصالح معها وتحويلها إلى مصدر قوة، “اخترت أن تكون البوعار اسمي، وسأعطي لهذه الكلمة قيمة”.

وأكد محمد في لقائه مع “العمق”، أنه تابع دراسته، لكن العمل في تخصصه لم يُكتب له، “الظروف حكمت علي بهذه المهنة، لم أكن بطلا بل مرغما عندما لم أجد خيارا، طرقت باب البركاصة فوجدته مفتوحا”. ويشدد على أن المهنة شريفة، ولا ضغط فيها، إذ يحدد العامل بنفسه أوقات اشتغاله وتوقفه.

ورغم بساطة العمل، يحاول محمد أن يضيف إليه بعدا إيجابيا، فخلال جولاته يجمع الأزبال الملقاة في الأرض ويرميها في مكانها، “مساندة لرجال النظافة”، كما يقول.

كما يحرص –حسب روايته– على إعادة ما يعثر عليه من هواتف أو بطاقات بنكية أو وثائق إلى أصحابها: “أحيانا أجد مالا أيضا، لكنني أرجع كل شيء لأصحابه”.

في حياته الخاصة، يواجه محمد تحديا آخر، تقدم خلال سنة واحدة لخطبة عشر فتيات في الجديدة ونواحي دكالة، لكنه قوبل بالرفض بسبب مهنته، “الناس تؤمن بالمظاهر”، يقول بنبرة هادئة، قبل أن يضيف: “أتمنى أن أجد امرأة تحبني كإنسان، لا تراني باحتقار كبوعار، أحلم بالزواج وتأسيس أسرة، وبإنشاء مشروع خاص بي مستقبلا”.

ويرى محمد في نفسه نموذجا إيجابيا للشباب الذين يجلسون في الأحياء دون عمل، “أتحرك وأسعى لرزقي، لا أترك دربا ولا حيا.

رسالتي للشباب أن يثقوا في أنفسهم، وأن يفتخروا بمهنهم كيفما كانت”، ويوجه كلاما خاصا لزملائه في المهنة: “كونوا منضبطين، متخلقين، احترموا البيئة، لا تسرقوا المواطنين ولا ممتلكات الدولة، هذا خبزنا، ويجب أن نصونه”.

كما يدعو المتعاملين معهم إلى منحهم الثمن الحقيقي لما يجمعونه، وعدم استغلالهم أو بخسهم حقوقهم، فالمهنة، كما يقول، محفوفة بالمخاطر: جروح بسبب الزجاج، أمراض محتملة، روائح خانقة، وأحيانا مواد خطرة وسط النفايات، لذلك “يجب إعطاء هذه الفئة حقها وعدم أكل عرقها”، يختم حديثه.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا