آخر الأخبار

“اسيكيس”.. قرية معلقة في سفوح الجبال يقتلها “النسيان” وتحييها “التويزة” (فيديو)

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

ليست الطريق المؤدية إلى قرية اسيكيس مسلكا عاديا، بل رحلة شاقة نحو أعالي جبال نواحي مدينة إيمنتانوت، حيث تختبر الطبيعة صبر الإنسان في كل منعطف. على امتداد يقارب 65 كيلومترا، لا يتجاوز الجزء المعبد منها ثلاثين كيلومترا، فيما يتحول أكثر من خمسة وثلاثين كيلومترا إلى مسالك وعرة بالكاد تصلح لمرور السيارات، خاصة في فصل الشتاء حين تزيد السيول والانجرافات من قسوة العبور.

رحلة الذهاب إلى السوق الأسبوعي والعودة منه قد تستغرق ساعات طويلة، وأحيانا يوما كاملا، في مسار محفوف بالمخاطر. بعد قطع نصف المسافة بين إيمنتانوت والقرية، وتحديدا عند جماعة “لَعْزِيزة”، يتوقف المسافرون لالتقاط الأنفاس، يحتسون كأسا من الشاي علّه يخفف عنهم عناء الطريق ويمنحهم طاقة لمواصلة الصعود وسط تضاريس قاسية ومنعرجات حادة. هنا، كل منعطف يحكي قصة صبر، وكل مرتفع يختزل معركة يومية بين الإنسان والجبل.

عزلة مفروضة

ساعات من السير في طريق ضيقة معلقة بين السفوح، تجعل الزائر لأول مرة يظن أن المسلك مهجور. السيارات تتعثر بين الصخور، والعجلات تغوص في حفر عميقة خلفتها الأمطار. لا وجود لإشارات، ولا مجال للتوقف الآمن. في كل منعرج يخيّل للراكب أنه بلغ النهاية، غير أن الطريق تكشف عن مرحلة جديدة أكثر صعوبة، تتطلب تركيزا وحذرا مضاعفين.

السائقون هنا ليسوا مجرد ناقلي ركاب، بل صلة وصل بين العزلة وما وراءها. بسيارات غالبا ما تكون محملة فوق طاقتها، يتنقلون يوميا بين السوق ومنازل القرى، ينقلون الناس والسلع والأدوية، ويواجهون أعطالا متكررة ومصاريف وقود وصيانة تثقل كاهلهم. ومع ذلك، يواصلون المهمة لأن البديل غير موجود.

مع أذان المغرب، وبعد رحلة قد تمتد لأربع ساعات، تصل السيارة أخيرا إلى اسيكيس. ينزل الركاب، يحملون مشترياتهم على ظهور الدواب أو على أكتاف النساء اللواتي يتحملن أعباء البيوت وثقل الأيام. هنا، يصبح الوصول انتصارا صغيرا على الإقصاء، والعودة مقاومة يومية من أجل الاستمرار.

تشبث بالأرض

للوهلة الأولى، تبدو بيوت اسيكيس متشبثة بسفوح الجبال في مشهد يختلط فيه إبداع الإنسان بعظمة الطبيعة. مبان بسيطة، أزقة ضيقة، ومساحات صغيرة تشهد على تعلق الأهالي بأرضهم ووفائهم لإرث الأجداد. حافظ السكان على نمط عيشهم التقليدي، وعلى قيم التضامن والتآزر التي توحدهم في مواجهة قسوة المناخ وندرة الموارد.

في مواسم البناء أو الترميم، يتقاسم الجميع الجهد فيما يشبه “التويزة” التقليدية؛ يتعاونون في إصلاح البيوت وشق المسالك وتنظيف المسجد. القرية تنمو بسواعد أهلها، وتقاوم التغيرات بإرادة جماعية راسخة.

غير أن هذا التماسك الاجتماعي لا يخفي حقيقة مرة: اسيكيس تعيش عزلة مزمنة. الطريق هنا ليست رفاهية، بل شرطا أساسيا للحياة. بغيابها، تتعطل الخدمات، وتتقلص الفرص، ويضيق الأفق أمام الأجيال الصاعدة.

أحلام مؤجلة

أقرب المرافق الصحية بعيدة، والوصول إليها في حالات الطوارئ يشكل تحديا حقيقيا، خصوصا في فصل الشتاء. المخاض، الأمراض المفاجئة، ولسعات البرد القارس، كلها تتحول إلى اختبارات قاسية في غياب وسائل نقل مضمونة ومسلك آمن. الأطفال حديثو الولادة قد لا يستفيدون من التلقيح في آجاله، والمرضى يقطعون مسافات طويلة بحثا عن علاج قد يتأخر بسبب وعورة الطريق.

في مجال التعليم، يواجه التلاميذ مسارا شاقا لمتابعة دراستهم، فيما يكتفي بعض الأطفال بالكتاتيب داخل المسجد لحفظ القرآن وتعلم أساسيات القراءة والكتابة. التعليم الأولي يكاد يكون غائبا، ونسبة التأطير محدودة، ما يجعل الكثير من الأسر تعيش قلقا دائما بشأن مستقبل أبنائها.

الشباب بدورهم يعيشون مفارقة مؤلمة: أحلام مشروعة بالاستقرار والعمل، تصطدم بواقع قاسٍ يفرض الهجرة أو البطالة. النقاش الدائم في المجالس المحلية يدور حول مطلب واحد يتقدم على ما سواه: تعبيد الطريق وفك العزلة.

إرادة البقاء

قصة اسيكيس ليست استثناءً معزولا، لكنها تعكس سؤالا أعمق حول العدالة المجالية وتوزيع ثمار التنمية. في كل استحقاق انتخابي تتجدد الوعود، غير أن الطريق تبقى على حالها، وتظل القرية خارج دائرة الأولويات الفعلية.

رغم ذلك، يواصل الأهالي التمسك بأرضهم كما تتمسك شجرة الجوز المعمرة بجذورها في أعالي الجبل. صمودهم يشبه ظلها الذي يحمي الأجيال، غير أن الصمود وحده لا يكفي. الإرادة المحلية تحتاج إلى دعم مؤسساتي، وإلى قرار تنموي يعيد رسم الخريطة بما يضمن حق القرى الجبلية في البنية التحتية والخدمات الأساسية.

اسيكيس اليوم ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل شهادة حية على إرادة البقاء في وجه التهميش. وبين الجبل والطريق المعلقة، يظل السؤال معلقا بدوره: متى تتحول الوعود إلى إنجاز، ومتى يصبح الوصول إلى القرية رحلة عادية لا مغامرة محفوفة بالمخاطر؟

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا