فجرت شكاية وُضعت على طاولة وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بمراكش، فضيحة عقارية من العيار الثقيل بجماعة “سيد الزوين”، بطلها عقد بيع يحمل توقيع سيدة فارقت الحياة قبل أشهر من تاريخ المصادقة عليه، في واقعة مثيرة أعادت طرح علامات استفهام كبرى حول مافيا العقار وتجاوزات تصحيح الإمضاءات.
وفي هذا السياق، باشرت عناصر الدرك الملكي بالمركز الترابي سيد الزوين أبحاثها التمهيدية والتحقيق في ملابسات عقد بيع لعقار كائن بـ”درب الحدادة” بذات الجماعة التابعة لعمالة مراكش، حيث جاء تحرك الضابطة القضائية بناء على تعليمات النيابة العامة، بعدما رصد المشتكي تناقضا صارخا يضرب في الصميم صحة المعاملة القانونية.
ووفقا للمعطيات الحصرية التي حصلت عليها جريدة “العمق”، فإن الوثيقة المشبوهة تشير إلى أن عملية “تصحيح الإمضاء” (Légalisation) تمت بمدينة الدار البيضاء بتاريخ 4 شتنبر 2021، غير أن الوثائق الرسمية، بما فيها شهادة الوفاة، تؤكد أن السيدة المنسوب إليها التوقيع (البائعة) كانت قد توفيت بتاريخ 10 ماي 2021 بمؤسسة دار البر والإحسان بمراكش؛ أي أن “التوقيع” تم بعد وفاتها بحوالي أربعة أشهر، مما يجعل الواقعة تزويرا مفضوحا.
ولم تتوقف غرابة الملف عند حاجز “الموت والتوقيع”، بل امتدت لتشمل البعد الجغرافي للمعاملة، حيث استغرب المشتكي في نص شكايته لجوء الأطراف المعنية إلى مدينة الدار البيضاء لإجراء مسطرة تصحيح الإمضاء، رغم أن العقار يقع في “سيد الزوين” بمراكش، ومحل إقامة المعنية كان بمراكش أيضا.
ويُرجح أن يكون هذا “التهريب الجغرافي” للوثيقة محاولة للتملص من الرقابة المحلية أو استغلال ثغرات إدارية في مناطق بعيدة، وهو ما فرض ضرورة التدقيق في الجهات التي أشرفت على هذه الإجراءات الإدارية بالعاصمة الاقتصادية.
وتعود تفاصيل القضية إلى دخول المشتكي في مفاوضات حسن نية لاقتناء المنزل المذكور، حيث قام بتسليم دفعات مالية ناهزت قيمتها 30 ألف درهم كجزء من إجراءات البيع.
إلا أن الصدمة كانت قوية حين اكتشف – حسب إفادته – أن “المالكة” التي يُفترض أنها فوضت البيع أو وقعت العقد، هي في عداد الأموات قبل تاريخ التوثيق، مما جعله يدرك أنه وقع ضحية عملية نصب محكمة باستعمال وثائق مزورة.
وأخذت القضية أبعادا أكثر تعقيدا بعدما وجهت الشكاية أصابع الاتهام لشخصيات نافذة محليا، حيث تضمنت لائحة المشتكى بهم اسما لمنتخب جماعي (مستشار)، بالإضافة إلى شخص آخر يُشتبه في تورطهما المباشر في هندسة هذه المعاملة.
ويتمسك المشتكي بأن الوقائع تشكل أركانا لجرائم يعاقب عليها القانون الجنائي المغربي، تتعلق أساسا بـ”التزوير في محرر عرفي واستعماله” و”النصب والاحتيال”، وهي التهم التي تعكف النيابة العامة حاليا على تمحيصها.
وفي سياق السعي لإظهار الحقيقة كاملة، التمس الضحية المفترض من القضاء تفعيل مساطر التحقيق التقني، عبر إجراء خبرة تقنية على التوقيعات لمضاهاة التوقيع الموجود على العقد بتوقيعات الهالكة قيد حياتها، بالإضافة إلى الاستماع لكافة الأطراف بما في ذلك الموظفين الذين صادقوا على التوقيع بالدار البيضاء.
كما طالبت الشكاية بفحص سجلات الاتصال وإخضاع هواتف الأطراف المعنية للمراقبة والتحليل لتحديد النطاق الجغرافي وتوقيت التواصل، لكشف ما إذا كان هناك تنسيق مسبق لتزوير التاريخ أو الوقائع.
وتُعيد قضية “عقار سيد الزوين” إلى الواجهة النقاش القانوني والحقوقي حول مخاطر استمرار التعامل بـ”العقود العرفية” في المجال العقاري. فرغم الترسانة القانونية التي تشجع على التوثيق الرسمي (لدى العدول أو الموثقين)، لا تزال العقود العرفية منفذا لعدد من النزاعات الشائكة وعمليات السطو على عقارات الغير، خاصة عقارات المتوفين أو الغائبين، مما يستدعي صرامة أكبر في مراقبة سجلات تصحيح الإمضاءات بالجماعات الترابية.
المصدر:
العمق