آخر الأخبار

10 آلاف بائع متجول بالحي الحسني بالدار البيضاء، حل واحد.. وكفى من الأعذار

شارك

أسامة كنوني

مكالمة هاتفية لا تُنسى.

في بداية شهر رمضان، اتصل بي صديقي السيد حميد أوشعيب، عضو مجلس مقاطعة الحي الحسني بالدار البيضاء، ليهنئني بحلول الشهر الفضيل. مكالمة عادية، لكنها في غضون دقائق أخذت منعطفًا آخر.

إنه لا ينام.

ليس بسبب رمضان. كلا. بل بسبب ملف يؤرقه: أكثر من 10 آلاف بائع متجول في مقاطعته وحدها. رجال ونساء يعملون في القطاع غير المهيكل، دون حماية، دون وضع قانوني، دون غدٍ مضمون. والسكان يعانون من احتلال الفضاء العام، يومًا بعد يوم.

تشخيصه كان واضحًا:

– يمكن إصلاح سوقين
السعادة والبلدي، لكن هذا سيستغرق 3 سنوات على الأقل.
– وفي هذه الأثناء، هناك عائلات تبحث عن قوت يومها. لا يمكنها الانتظار.

هنا طرح علي سؤالًا بسيطًا: “أنت الذي تعمل في البحث والتطوير، ولديك براءات اختراع، هل هناك صيغة سريعة وفعالة لحل هذه المشكلة؟”

أعجبني السؤال. بدون خطابات. بدون سياسة. طلب حقيقي من رجل يبحث عن حلول عملية: ابحث لي عن حل ينجح، وبسرعة.

بعد ثلاثة أيام، اتصلت به مجددًا.

وهذا ما اقترحته عليه.

منصة رقمية. لا خطابات.

الفكرة بسيطة:

1. تطبيق للهاتف المحمول مخصص للزبائن
السكان يطلبون الخضر والفواكه والمواد الأساسية. يختارون وقت التسليم. يدفعون عبر الإنترنت أو عند الاستلام.

2. تطبيق للباعة المتجولين
يتلقون الطلبات، ينظمون جولاتهم، ويتحولون إلى تجار منظمين، وليسوا “محتلي أرصفة”.

3. نقطة بيع مخصصة
مكان واحد يتوجه إليه الباعة كل صباح للتزود بالبضائع. منتجات طازجة، إمكانية التتبع، جودة مراقبة.

لكن الفكرة وحدها لا تكفي. يجب توقع الزوايا الميتة.

1. النطاق الجغرافي

بائع واحد لا يمكنه تغطية كل مقاطعة الحي الحسني. وقت ضائع وصراعات محتملة بين الباعة.
الحل:تخصيص حي لكل بائع، مع قاعدة زبائن تصل إلى حوالي 50 أسرة.
النتيجة: روابط اجتماعية، استمرارية، سلام بين الباعة.

2. وسائل الدفع

الدفع نقدًا، نعم. ولكن أيضًا الدفع بالبطاقة البنكية، مع تخفيض تحفيزي لمن يدفع عبر الإنترنت.
لماذا؟ لأن تتبع المعاملات هو بوابة الخروج من القطاع غير المهيكل. كل ما يباع يتم التصريح به. نهاية للكاش الكامل، نهاية للاختفاء الضريبي.

3. الوضع القانوني

كل بائع يصبح مقاولًا ذاتيًا. مسجل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. محمي. مرئي.
لم يعد هناك هروب من الشرطة. لم يعد هناك عمل في الخوف. يصبحون فاعلين اقتصاديين كاملي الحقوق.

ومن هنا ننتقل إلى المستوى الصناعي.

لأن الأمر لا يتعلق فقط بتطبيق. بل يتعلق بـنظام متكامل .

10 آلاف بائع متجول في مقاطعة واحدة، يعني10 آلاف طريبورتور .
طريبورتورات لن نستوردها. لن نقوم فقط بتجميعها من قطع صينية هنا. طريبورتورات مصممة ومصنعة في المغرب، 100%.

لدينا المهندسون. لدينا المقاولات. لدينا القدرات الصناعية.
ما ينقص هو قرار القيام بذلك.

هل هذا المشروع قابل للتحقيق؟

من الناحية التقنية، نعم.
من الناحية الاقتصادية، نعم.
من الناحية الاجتماعية، ضروري.

يكفينا ثلاثة أشياء:
1. إرادة سياسية محلية قوية (السيد حميد أوشعيب مثال على ذلك).
2. رؤية صناعية واضحة (تصنيع محلي للطريبورتورات).
3. منصة رقمية مصممة بشكل جيد (لدينا الكفاءات).

ماذا سيتغير؟

– 10 آلاف عائلة تخرج من القطاع غير المهيكل
– 10 آلاف وظيفة مصرح بها، محمية، محترمة في هذه المقاطعة
– أحياء هادئة، دون احتلال عشوائي
– صناعة مغربية جديدة تنهض (تصنيع الطريبورتورات)
– صورة الدار البيضاء تتحسن، أخيرًا

والآن، كيف نبدأ عمليًا؟

هذا هو السؤال الذي طرحه علي صديقي السيد حميد بعد أن استمع إلى الحل.

كان ردي: لن نستعين بمكاتب دراسات باهظة الثمن، ولا بخبراء سيأتون ليعدوا تقارير تتراكم عليها الغبار.

سنتوجه حيث يوجد الذكاء، والإبداع، والطاقة في هذا البلد: جامعاتنا ومدارسنا.

الفكرة: برنامج وطني تقوده الجامعات المغربية

تخيلوا معي:

– قسم الإعلاميات : طلاب يصممون التطبيقات، تدبير التدفقات، الدفع عبر الإنترنت. مشروع تخرج. تأطير من الأساتذة. تسليم حل وظيفي.
– قسم الهندسة الميكانيكية/الصناعية : طلاب يصممون الطريبورتور المغربي 100% . نماذج أولية، تجارب، تصنيع. مشروع تخرج.
– قسم التصميم/الإرغونوميا : طلاب يعملون على تجربة المستخدم، صورة الباعة، الهوية البصرية للطريبورتورات.
– قسم التدبير/المقاولات : طلاب يبنون النموذج الاقتصادي، الوضع القانوني للمقاولين الذاتيين، خطة الانتشار.

وفي نهاية السنة الجامعية، لن نضع المشاريع في الأدراج.

سنحولها إلى شركات ناشئة .

كل عنصر يصبح شركة.

– شركة ناشئة للتطبيق والمنصة الرقمية.
– شركة ناشئة لتصنيع وصيانة الطريبورتورات.
– شركة ناشئة للوجستيك وتزويد نقطة البيع.
– شركة ناشئة لتكوين ومواكبة الباعة.

طلاب يصبحون مقاولين. أساتذة يصبحون مرشدين. مختبرات تصبح حاضنات.

وكل هذا، في سبيل حل مشكلة مجتمعية حقيقية.

لماذا هذا النموذج قوي؟

1. الطلاب يتعلمون على أرض الواقع.

انتهى زمن المشاريع النظرية على حالات وهمية. إنهم يعملون على حالة حقيقية، مع مستخدمين حقيقيين، إكراهات حقيقية، رهانات حقيقية.

2. الجامعات تخرج من جدرانها.
تتوقف عن كونها “مصانع للشهادات” لتصبح محركات للتنمية المحلية . لم يعد إنتاجها مقتصرًا على المعرفة، بل يمتد إلى الحلول والمقاولات.

3. مشكلة الباعة المتجولين تتحول إلى ورش للابتكار.
بدل التعامل معها كـ”آفة حضرية”، تتحول إلى مشروع للذكاء الجماعي. الطلاب، الأساتذة، الجماعات المحلية، والباعة يعملون يدًا بيد.

4. هذا النموذج قابل للتكرار في كل المغرب.
الحي الحسني هو البداية. لكن مشكلة الباعة المتجولين هي مشكلة كل المغرب. هذا البرنامج يمكن تكراره في كل مدينة، مع كل جامعة، مع تكييفات محلية.

وما دور الباعة في كل هذا؟

هم ليسوا “مستفيدين سلبيين”. إنهم شركاء في المشروع .

– يختبرون التطبيق في ظروف حقيقية.
– يبلغون عن الأخطاء والتحسينات المطلوبة.
– يشاركون في تصميم الطريبورتورات (الاحتياجات، الإكراهات، الاقتراحات).
– يصبحون أول سفراء البرنامج.

وفوق كل هذا: يخرجون من القطاع غير المهيكل .
يحصلون على وضع قانوني. حماية اجتماعية. ظهور. كرامة.

ماذا سينتج عن هذا في النهاية؟

– آلاف المقاولين الذاتيين الرسميين في كل المغرب.
– مئات الشركات الناشئة التي يقودها شباب حديثو التخرج.
– صناعة مغربية جديدة للطريبورتورات.
– منصات رقمية سيادية، مصممة هنا، مستضافة هنا، مدارة هنا.
– منهجية قد تأتي دول أخرى لدراستها.

اتصل بي صديقي السيد حميد من أجل مشكلة محلية.

واليوم،نقترح نموذجًا وطنيًا .

والخبر السار هو أننا لسنا بحاجة لانتظار قوانين جديدة، أو ميزانيات ضخمة، أو إصلاحات لا تنتهي.

نحن بحاجة إلى إرادة محلية ، ربط بين الجامعة والمجال الترابي ، و رؤية .

أما الباقي، فهو عمل. والعمل، نحن نعرف كيف ننجزه.

االان ، أي مدرسة أو جامعة مغربية مستعدة لخوض هذا التحدي ؟

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا