كشفت دراسة حديثة للجنة الدائمة للمناهج والبرامج والتكوينات والوسائط التعليمية لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، حول صمود المنظومة التربوية المغربية، أن تجاوز الأزمات وضمان الإنصاف يتطلبان إرساء تحول مستدام ونسقي يتجاوز التدبير التقني، مشددة على أن هذا الصمود التربوي يمثل رافعة استراتيجية لتجسيد الإصلاح الشامل، وذلك عبر توصيات مهيكلة تعتمد على الجهوية كشرط أساسي وتستوجب مسؤولية مشتركة بين قطاعات متعددة لضمان الحق في الاستمرارية البيداغوجية.
وأوضحت الوثيقة ذاتها أن الأزمات التي تضرب المنظومة تتسم بخصوصيات جهوية واضحة تستلزم استجابة تعليمية متكيفة مع هذا المعطى، مبرزة أهمية التخطيط الميكروي الدقيق على المستوى الترابي، مع التأكيد على الدور الاستراتيجي الذي يجب أن تلعبه الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، إلى جانب ضرورة مشاركة الجماعات الترابية وتعبئة كافة الفاعلين المحليين، باعتبار أن بناء قدرة المنظومة التربوية المغربية على الصمود يتم أساسا على المستوى الترابي لضمان الإنصاف الفعلي بين مختلف المناطق.
وأضافت الدراسة التقييمية أن التوصيات المقترحة لا تشكل دليلا تقنيا أو إصلاحا موازيا للإصلاح الجاري، بل ترسم إطارا متماسكا يربط بين القيادة الاستراتيجية والإجراءات العملية لحماية التلاميذ اليوم وتعزيز القدرات المؤسساتية غدا لإحداث تحول مستدام، مقترحة رافعات نسقية عرضانية تشمل إعادة تفعيل هيئات القيادة والتتبع، وإعداد تقييم نقدي لاستخلاص الدروس من الأزمات، إلى جانب توثيق وبناء الذاكرة التربوية كعامل محفز للصمود، وتعبئة البحث العلمي بشكل فعال كأساس لدعم الاستجابات الفورية للإصلاحات البنيوية المبرمجة.
وتابعت الجهة المنجزة للتقرير تصنيف توصياتها وفق أبعاد مؤسساتية ومنهاجية وجماعاتية وفردية وأخرى تهم البنية التحتية، مفصلة إياها على مستويين زمنيين، حيث ركزت على المدى القصير على تحقيق إنصاف فوري من خلال إعطاء الأولوية للتعلمات الأساسية، وإرساء خطط مهيكلة للدعم والمعالجة، وتوفير المواكبة النفسية والاجتماعية، ودعم المدرسين ومواكبتهم، فضلا عن وضع آليات صارمة للوقاية من الانقطاع المدرسي، وذلك بهدف الحد من الهشاشات الراهنة وتفادي تسجيل أي خسائر تعليمية غير قابلة للاستدراك.
وأشارت المعطيات الواردة في التقرير إلى متطلبات المدى المتوسط والطويل لتحقيق تحول مستدام، والتي تتحدد في إدماج مفهوم الصمود ضمن الإطار المرجعي للمناهج، وهيكلة التعليم الهجين وتأطيره قانونيا ومؤسساتيا، مع إعمال المقاربة الترابية في المنهاج ضمن إطار تنظيمي واضح، بالإضافة إلى ترسيخ حكامة ذات بعد ترابي، وتحديث البنيات التحتية التربوية بشقيها المادي والرقمي وضمان استدامتها لتكون قادرة على مواجهة مختلف التحديات المستقبلية.
وأكدت الدراسة في ختام مقترحاتها على أن تحقيق هذا الصمود التربوي يفترض مسؤولية مشتركة وبين قطاعية تتوزع بين الدولة والجماعات الترابية والمدرسين والأسر ومختلف مكونات المجتمع المدني، مشددة على أن هذا الورش الاستراتيجي يتجاوز الإطار الضيق للوزارة الوصية على القطاع بمفردها، ويفترض بالضرورة وجود استمرارية سياسية ومؤسساتية راسخة تتجاوز منطق الدورات الانتخابية وتعاقب الحكومات لضمان حماية حق الأجيال في تعليم جيد ومنصف في جميع الظروف.
المصدر:
العمق