بينما تشير البيانات الرسمية إلى تباطؤ وتيرة التضخم تجد الأسر المغربية نفسها مع حلول شهر رمضان المبارك أمام “إجهاد مالي” يضع قدرتها الشرائية على المحك، وسط دوامة مصاريف ضاغطة. هذا “التناقض” بين المؤشرات الماكرو-اقتصادية والواقع اليومي للأسواق قدّر خبراء اقتصاديون وماليون أنه نتاج تقاطع ضغط “التضخم التراكمي” للسنوات الماضية مع طفرة الطلب الموسمي، ما يرسم مشهداً اقتصادياً معقداً.
فمن جهة تبرز اختلالات سلاسل التوزيع وتعدد الوسطاء كعوامل هيكلية تذكي لهيب الأسعار، ومن جهة أخرى يظهر عجز الزيادات الأخيرة في الأجور عن ترميم الثقة المفقودة لدى الأسر التي استنزفت مدخراتها، بحسب محللين تحدثت إليهم هسبريس.
وخلال رمضان تتصدر الأعباء المالية هواجسَ تدبير الميزانية لتصل إلى تدبير تبعات “عبء نفسي” يؤثر على مؤشر ثقة الأسر في مستويات المعيشة.
أوضح عبد الرزاق الهيري، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أنه مع حلول شهر رمضان المبارك تجد غالبية الأسر المغربية، وخصوصاً الفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط، نفسها أمام “تحدٍّ مالي حقيقي لتغطية مصاريف هذا الشهر”، مُرجعاً ذلك بشكل رئيسي إلى “الارتفاع الملموس في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، بما في ذلك الخضر، الفواكه، اللحوم الحمراء، الدواجن، والأسماك، فضلاً عن البيض ومواد غذائية أخرى يزداد الإقبال عليها”.
هذا الارتفاع يُعزى، وفق الهيري مصرحا لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى “تداخل عدة عوامل موسمية وهيكلية”؛ أولها الزيادة الكبيرة في الطلب المرتبطة بالنمط الاستهلاكي الرمضاني، وثانيها سلوكيات “التهافت” و”التخزين المفرط” التي ينتهجها بعض المستهلكين؛ كما أشار إلى دور العوامل المناخية، إذ “أثرت اضطرابات التساقطات المطرية والفيضانات هذا العام على حجم العرض في بعض المنتجات، بالإضافة إلى الاختلالات التي قد تشوب سلاسل التوزيع والوساطة”.
وفي معرض حديثه عن إستراتيجيات التكيف والحلول المقترحة أكد الخبير الاقتصادي عينه “ضرورة تبني ثقافة “ترشيد الاستهلاك” وتغيير العادات الغذائية، عبر التخلي عن المنتجات الكمالية الباهظة والبحث عن بدائل محلية بأسعار معقولة، ولفت إلى أن الضغط على الأسعار يبدأ بالانخفاض عادةً بعد الأسبوع الأول من الشهر، مع تراجع وتيرة التهافت، داعياً الأسر إلى “التسوق الذكي” والشراء بالجملة وتجنب فترات الذروة.
ورصد مدير مختبر تنسيق الدراسات والأبحاث في التحليلات والتوقعات الاقتصادية بفاس أثر هذا الغلاء على “مؤشر ثقة الأسر”، الذي شهد تراجعاً “نتيجة الارتفاع العام في تكلفة المعيشة”، عاداً أن هذا الوضع يخلق “إجهاداً مالياً” وقلقاً لدى شرائح واسعة، ما يفرغ الشهر الفضيل من مقاصده الروحية المتعلقة بالإمساك والبركة، ليصبح مصدراً للضغط النفسي والمادي.
وخلص الأستاذ الهيري إلى أن “غلاء الأسعار في رمضان أصبح ظاهرة موسمية تتكرر بانتظام، ما يستوجب حلولاً جذرية تشمل تعزيز الرقابة الصارمة على الوسطاء والمضاربين، ودعم الإنتاج الوطني لضمان استقرار العرض”، بالإضافة إلى “تحسيس المستهلك بضرورة تقليص الهدر الغذائي والاكتفاء بشراء الحاجيات الضرورية فقط لتخفيف الضغط على الأسواق”.
أكد محمد عادل إيشو، محلل مالي أستاذ علوم الاقتصاد والتدبير بجامعة السلطان مولاي سليمان-بني ملال، أن “تباطؤ التضخم الكلي لا يكفي لطمأنة الأسر، ما لم ينعكس على أسعار المواد الأساسية بشكل مباشر، وما لم يترافق مع إصلاحات أعمق في سلاسل الإنتاج والتوزيع، وتعزيز فعالية آليات المراقبة، ودعم تنافسية السوق”.
وقال إيشو إن “الأمن المالي للأسر المغربية، خاصة خلال مواسم الاستهلاك المرتفع كرمضان، لا يرتبط فقط بمستوى الأجور أو بالمؤشرات الماكرو-اقتصادية، وإنما بمدى استقرار الأسعار الحقيقية وقدرتها على الادخار دون اللجوء المتكرر إلى الاستدانة أو استنزاف مدخراتها”.
وفي قراءة تحليلية لفت المتحدث ذاته، ضمن تصريحه لجريدة هسبريس، إلى أنه “رغم تسجيل تباطؤ في معدل التضخم خلال سنتي 2024 و2025 بعد مستويات قياسية بلغت حوالي 6,6% سنة 2022، حسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، فإن هذا التطور لا يعني تراجع الأسعار، بل فقط تباطؤ وتيرة ارتفاعها”، وتابع شارحا: “الأسعار الغذائية، التي تمثل نحو 38% من سلة استهلاك الأسر المغربية، عرفت زيادات تراكمية قوية خلال السنتين الماضيتين، خاصة في اللحوم والخضر والزيوت والحبوب. ومع حلول شهر رمضان، حيث يرتفع الاستهلاك الغذائي لدى الأسر بنسبة تتراوح بين 20 و30% مقارنة بباقي أشهر السنة، يصبح الإحساس بغلاء المعيشة أكثر حدة، لأن الطلب الموسمي يتقاطع مع قاعدة سعرية مرتفعة أصلاً”.
ورغم الزيادات في الأجور التي أقرتها الحكومة في إطار الحوار الاجتماعي، سواء في القطاع العام أو عبر الرفع التدريجي للحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، فإن “أثرها ظل محدوداً أمام الارتفاع التراكمي للأسعار”، وفق المحلل المالي عينه.
وأضاف المصرح نفسه: “حين ترتفع الأجور بنسبة معينة في سياق تضخم سابق قوي فإن جزءاً مهماً من هذه الزيادة يُستهلك لتعويض فقدان القدرة الشرائية بدل تحسينها فعلياً. وتُظهر أبحاث الظرفية لدى الأسر أن نسبة كبيرة منها (أكثر من 70%) تعتبر أن دخلها لا يكفي لتغطية المصاريف الجارية، فيما تبقى نسبة الأسر القادرة على الادخار ضعيفة (في حدود 10 إلى 15%). ما يعني أن التحسن الاسمي في الأجور لم يتحول بعد إلى تحسن ملموس في الرفاه المالي، خاصة لدى الطبقة المتوسطة”.
وقدّر المتحدث للجريدة أن لـ”الظرفية الدولية دوراً محورياً في تغذية ما يُعرف بـ’التضخم المستورد’، فقد أدت اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار الطاقة والحبوب في الأسواق الدولية إلى رفع كلفة الواردات المغربية، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار المواد الأساسية”، وزاد: “والمغرب، بحكم اعتماده الكبير على استيراد جزء من حاجياته الطاقية والغذائية، يبقى حساساً لتقلبات الأسواق الدولية وسعر الصرف. هذا العامل الخارجي يعزز الطابع الهيكلي للتضخم الغذائي، ويحدّ من فعالية السياسة النقدية وحدّها في احتوائه”.
وفي المقابل تبقى أدوات المراقبة وضبط الأسواق “غير كافية بالقياس إلى اتساع بعض الاختلالات البنيوية”، بتوصيف أستاذ العلوم الاقتصادية، الذي لفت إلى “وجود قطاع غير مهيكل واسع، وهيمنة تعدد الوسطاء في بعض سلاسل التوزيع، إضافة إلى مظاهر المضاربة وتخزين السلع انتظاراً لارتفاع الأسعار، كعوامل تُضعف أثر إجراءات المراقبة الظرفية خلال المواسم الحساسة مثل رمضان”، وختم: “رغم تكثيف لجان المراقبة فإن طبيعة الأسواق المحلية وتداخل الرسمي بغير الرسمي يجعل التحكم الكامل في الأسعار أمراً معقداً، ويُبقي هامشاً للممارسات غير التنافسية”.
المصدر:
هسبريس