في صمت مهيب، ودعت الساحة الفنية المغربية، في ثاني أيام شهر رمضان الفضيل، واحدا من أبرز وجوهها الذي اختار أن يشق مسارا مختلفا بين الخشبة والكاميرا، داخل الوطن وخارجه، الممثل إسماعيل أبو القناطر، الذي بصم مسارا استثنائيا جمع بين التكوين الأكاديمي الصارم والتجربة الإبداعية العابرة للقارات.
بدأ الراحل أولى خطواته في عالم الفن من بوابة التكوين المسرحي بالمعهد البلدي بالدار البيضاء، حيث جاور أسماء ستصبح لاحقا من أعمدة المسرح المغربي؛ من قبيل عزيز سعد الله وخديجة أسد. وبدا واضحا منذ بداياته أنه فنان لا يرضى بالأدوار السهلة؛ بل يميل إلى الاشتغال على الشخصية من الداخل، بجدية كبيرة وبحث عميق.
في سبعينيات القرن الماضي، انخرط أبو القناطر في دينامية مسرحية لافتة؛ فشارك في أعمال من قبيل “الغول” و”حقنا في الأرض”، قبل أن يساهم في تأسيس فرقة “مسرح الجيب” رفقة طلبة “الكونسرفتوار” ويخوض جولة فنية بالجزائر.
كما اشتغل سنة 1973 مع رائد المسرح المغربي الطيب الصديقي في مسرحيات شكلت علامات فارقة؛ من بينها “مقامات بديع الزمان الهمداني”، و”سيدي عبد الرحمان المجدوب”، و”السفود”، مؤكدا حضوره ضمن جيل راهن على المسرح كرافعة للوعي والجمال.
ولم يتوقف حلم الفقيد عند حدود الخشبة المحلية؛ فمنذ طفولته وهو يتردد على قاعات السينما رفقة والده، كان يراوده طموح أن يصبح ممثلا عالميا على شاكلة مارلون براندو.. الأمر الذي جعله يشد الرحال سنة 1977 إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تابع دراسته الجامعية في السينما وعلم النفس، ووسع اهتماماته لتشمل الرسم والنحت والهندسة والتصميم، في مسار تكويني متعدد الروافد.
وهناك، لم يكتف بالدراسة؛ بل عاد إلى المسرح من بوابة النصوص الكلاسيكية والحديثة، فقدم “يوميات أحمق” لنيقولاي غوغول و”كاليكولا” لألبير كامو، ووقف على خشبات المسارح التجريبية في مانهاتن، واشتغل مع مسرح “لاماما” الشهير، في تجربة صقلت أدواته وأكسبته تماسا مباشرا مع مدارس الأداء العالمية.
وفي تسعينيات خاض تجربة هوليود، مدفوعا برغبة قديمة في ولوج السينما العالمية. وعلى الرغم من صعوبة المسار، فإنه استطاع أن يفرض حضوره في عدد من الأعمال الأمريكية المعروفة؛ من بينها “Sleeper Cell” “وAlias” و”Babylon 5″، حيث جسد أدوارا متنوعة عكست قدرته على التقمص والاشتغال على التفاصيل الدقيقة للشخصية. كما شارك في أعمال سينمائية عالمية؛ أبرزها فيلم “Queen of the Desert في تجربة كرست حضوره ضمن إنتاجات دولية كبرى عرف فيها باسم “سام قناطر”.
وعلى المستوى الوطني، ظل أبو القناطر وفيا للمشهد الفني المغربي، فشارك في أعمال تلفزيونية وسينمائية متعددة؛ من بينها “لابريكاد”، و”أرض الجموع” لعبد الرحيم مجد، و”حد الصداقة” و”حجار الواد” لعادل الفاضلي، و”رجل فوق الشبهات” لنوفل براوي، إلى جانب أعمال أخرى رسخت صورته كممثل يختار أدواره بعناية، بعيدا عن الاستسهال.
وكان آخر تكريم ناله الراحل خلال فعاليات الدورة الثانية عشرة للمهرجان الدولي للفيلم المغاربي، تحت شعار “السينما من أجل العيش معا بين الشعوب”، في التفاتة اعتراف بمسار فني جمع بين العمق الفكري والانفتاح على الثقافات، وبين الخشبة والكاميرا.
ورحل إسماعيل أبو القناطر وهو ينتظر عرض أحدث أعماله السينمائية “أنوال”، الذي يستحضر ذكرى زعيم الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي، في عمل جمعه بصديقه بالراحل محمد الشوبي، ليغادر المشهد بهدوء يشبه شخصيته، تاركا وراءه إرثا فنيا يختزل رحلة فنان آمن بأن التمثيل ليس مهنة عابرة، ومسارا فنيا استثنائيا تشكل بين خشبات المسرح المغربي وأضواء لاس فيغاس وكاميرات هوليوود.
المصدر:
هسبريس