هبة بريس – ياسين الضميري
حين أغلق الباب الحديدي خلفي، شعرت أن العالم كله اختفى فجأة، لم يكن مجرد باب، كان جدارا زجاجيا بيني وبين الحياة التي عرفت، بيني وبين الشمس والسماء والوجوه التي أحببت.
كل الأصوات اختفت، وكل الروائح تغيرت، الهواء ثقيل، الأرض باردة، والجدران لم تتنفس، لم يكن في السجن من يشرح لك ما سيحدث، ولم يكن هناك وقت للأسئلة، كل شيء مفروض عليك، والصمت صار القانون الأول.
تم وضعي في زنزانة صغيرة لا تكاد تتسع لأكثر من شخصين، وأنا وحدي، سرير حديدي ضيق، بطانية رقيقة، نافذة صغيرة عالية لا تكشف إلا عن شريط ضوء خافت، جلست على السرير وأنا أتنفس بصعوبة، كأن قلبي لم يعتد على هذا المكان.
حاولت أن أتذكر وجوه عائلتي، صوت ابنتي الكبرى، ضحكة الصغرى، لكن الصورة تلاشت بسرعة أمام القسوة الجديدة.
الليل جاء، وكان أول اختبار حقيقي للوقت، في الخارج كان كل شيء هادئا، لكن هنا، كل ثانية ثقيلة، كل دقيقة تتسع كأنها ساعة.
لم أستطع النوم، كانت الأصوات البعيدة من الزنازن الأخرى، طرق الأبواب، أصوات خطوات الحراس، كل شيء يذكرك أنك محاصر.
لم يكن الخوف من الآخرين وحده، بل الخوف من نفسك، من أفكارك، من اللحظات التي تبدأ فيها بمراجعة كل شيء حدث قبل أسوار السجن.
في الزنزانة، تعلمت بسرعة أن الوقت يتغير لكنك لا تتغير معه، كل شيء هنا ثابت، وكل يوم يشبه سابقه.
لم يكن هناك شيء يشغل العقل إلا الانتظار، الانتظار لوقت الطعام، لوقت الغسل، لوقت الفحص، ولأية إشارات خارجية يمكن أن تصل من العالم الذي رحلت عنه.
شعرت هنا بأن كل ثانية تمر وكأنها سرقة من حياتي، وأن الزمن داخل هذه الجدران أقسى من أي عقوبة أخرى.
الأيام الأولى علمتني كيف يكون الصمت ثقلا على النفس، لم أجرؤ على الكلام مع أي زميل، وكل كلمة يمكن أن تكون مشكلة، لكني كنت أراقب، أستمع، أحاول فهم قوانين غير مكتوبة.
تعلمت أسماء الأشخاص وأصواتهم، تميزت حركات الحراس، لاحظت اختلاف ردة فعل كل سجين أمام الضغط، هناك، في الظل، كانت الحياة تقاس بالصبر والتحمل، وبقدرتك على ضبط نفسك رغم الغضب والعزلة واليأس.
أحيانا كنت أغلق عيني وأحلم بالحياة خارج هذه الجدران، أرى ابنتي الكبرى وهي تكبر، أتخيل الصغرى و هي تنطق بكلمة “بابا” لأول مرة، أسمع صوت زوجتي قبل أن تنكسر حياتنا، لكن الحلم كان مؤلما، لأنه يذكرك بما فقدت، بما لن تعود إليه بسهولة.
الوحدة هنا لم تكن فقط جسدية، بل نفسية وروحية، كنت أتعلم كيف يعيش الإنسان بلا بصيص أمل، وكيف يحافظ على شيء من إنسانيته رغم كل شيء.
الليالي الأولى علمتني كذلك قيمة الصبر، ليس من أجل الحياة بل من أجل البقاء، كل يوم يمر هنا هو امتحان للقوة الداخلية، للقدرة على التكيف مع ما لا يمكن تغييره.
شعرت أنني بدأت أشيخ قبل الوقت، أن الشعر أصبح أكثر رمادا، وأن عيني ترى الحياة كذكرى بعيدة، عشرون سنة بدأت للتو، لكن بدايتها كانت كافية لتعليم الإنسان ما تعجز عنه السنين في الخارج.
وفي بعض اللحظات، كنت أسمع صوت آخرين يبكون في الزنازن الأخرى، أو يسكتون فجأة، كنت أفهم دون أن يقال شيء أن كل واحد هنا يحمل قصة، قصة خطأ أو حقد أو فقدان، وكلنا مرتبطون بهذا المكان، بلا اختيار، بلا رحمة.
كانت تلك الزنزانة صغيرة، لكنها جعلتني أواجه نفسي لأول مرة بصدق، لم أكن وحدي في الجريمة، لم أكن وحدي في العقوبة، لكن كل شعور، كل ألم، كان يخصني وحدي.
شعرت أن الزمن داخل السجن أقسى من أي حدة خارجها، وأن كل لحظة تمر هنا تصنع إنسانا جديدا، إنسانا يعرف معنى الوحدة والمعاناة والصبر، وإنسانا يدرك أن الحرية ليست مجرد خروج من المكان، بل تحرير النفس من الخوف واليأس.
وهكذا بدأت الرحلة الحقيقية، رحلة عشرين سنة من العزلة والمراقبة والانتظار، رحلة ستكشف لاحقا عن أبعاد الصبر، الحنين، الخيانة، والأمل الضائع.
هذه كانت البداية الحقيقية للغربة عن العالم، عن العائلة، عن كل ما أحببت، وعن نفسي القديمة التي لم أعد أعرفها بعد اليوم الأول خلف القضبان.
-يتبع في الحلقة القادمة-
المصدر:
هبة بريس