كشف الخبير الاقتصادي رشيد الساري، عن تفاصيل الاستراتيجية التي اعتمدتها السلطات المغربية لمواجهة الفيضانات الأخيرة، موضحاً أن التعامل مع الكارثة تم عبر ثلاث خطوات مفصلية جنبت البلاد خسائر بشرية فادحة، حيث تمثلت الخطوة الأولى في الإجراءات الاستباقية التي اعتمدت على الإجلاء الفوري للسكان من المناطق المنخفضة والمعرضة للخطر قبل وصول السيول، وهو القرار الذي شمل أكثر من 154 ألف مواطن في أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان والقصر الكبير، مما مكن من تسجيل صفر وفيات في المناطق التي خضعت لهذه التدابير الوقائية، وهو ما يعد مؤشرا إيجابيا مقارنة بحجم التهديد.
وأوضح المصدر ذاته في تصريح لجريدة “العمق” أن الخطوة الثانية ركزت على سرعة الاستجابة وتدبير الأزمة أثناء وقوعها، حيث تميزت بتعبئة شاملة للموارد البشرية واللوجستية، بمشاركة فرق الإنقاذ والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والسلطات المحلية، إلى جانب الدور المحوري الذي لعبه المجتمع المدني من خلال الجمعيات المواطنة التي ساندت جهود الدولة في الميدان، مشيراً إلى أنه تم فتح مراكز إيواء مؤقتة وتوفير المساعدات الغذائية والصحية للمتضررين بشكل عاجل، رغم الصعوبات الميدانية التي واجهت فرق التدخل للوصول إلى بعض القرى والمداشر التي عزلتها السيول بسبب انقطاع الطرق والممرات، مما استدعى مجهودات مضاعفة لفك العزلة عنها.
وأكد المتحدث أن المرحلة الثالثة، التي تلت تصنيف المناطق المتضررة كمناطق منكوبة وتفعيل القانون رقم 110.14 المتعلق بالوقاية من المخاطر الكارثية، عرفت تخصيص غلاف مالي إجمالي يقدر بـ 3 ملايير درهم لتعويض المتضررين وإعادة الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي بهذه الأقاليم، مفصلا في طبيعة التعويضات التي شملت تخصيص 140 ألف درهم لكل أسرة تعرض مسكنها للانهيار الكلي و6000 درهم لكل أسرة، بالإضافة إلى تقديم دعم مالي مباشر قدره 15 ألف درهم لفائدة أصحاب المشاريع الصغيرة والتجار الصغار والمهنيين الذين توقفت أنشطتهم، لضمان استئناف الدورة الاقتصادية المحلية.
وأشار الخبير في سياق حديثه إلى أن القطاع الفلاحي استحوذ على حصة الأسد من هذا البرنامج الاستعجالي، حيث تم رصد مليار درهم من أصل الغلاف الإجمالي لجبر الضرر الفلاحي، نظرا لكون المناطق المتضررة، لاسيما في سهل الغرب وحوض اللوكوس، تعد خزانا فلاحيا استراتيجيا للمملكة، مبرزا أن الدعم شمل تعويض الفلاحين عن نفوق الماشية وتوفير الأعلاف والأسمدة والبذور المختارة لمساعدتهم على استصلاح الأراضي المتضررة وإنجاح الموسم الفلاحي والزراعات الربيعية، وهو ما يعكس وعي الدولة بأهمية الحفاظ على الأمن الغذائي واستقرار الساكنة القروية.
وشدد الساري على ضرورة استخلاص الدروس من هذه الكارثة الطبيعية لتعزيز البنية التحتية المائية وحماية الممتلكات مستقبلا، داعيا إلى تسريع وتيرة إنجاز السدود الصغيرة والمتوسطة للتحكم في صبيب المياه، وتحسين شبكات تصريف مياه الأمطار، وتطوير أنظمة للإنذار المبكر تعتمد على البيانات المناخية الدقيقة والتكنولوجيات الحديثة، لافتا إلى أهمية التوفر على قاعدة بيانات دقيقة ومحينة حول الفلاحين والأسر في المناطق المهددة لضمان توجيه الدعم والمساعدات بشكل عادل وشفاف وسريع في حالات الطوارئ.
ودعا المتحدث بقوة إلى إعادة النظر في الحكامة المائية من خلال إحداث وكالة وطنية مستقلة لتدبير الماء، تتجاوز منطق تشتت المسؤوليات وتداخل الاختصاصات بين القطاعات الوزارية المختلفة، وتتمتع بصلاحيات موسعة لتدبير الموارد المائية وحماية المجالات الترابية من الفيضانات، معتبراً أن التحدي المستقبلي يكمن في الحد من الأضرار الاقتصادية والفلاحية عبر سياسات عمومية استباقية وتخطيط مجالي صارم.
ولفت رئيس المركز الافريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة الانتباه إلى المسؤولية المشتركة للقطاع البنكي وشركات التأمين في تدبير هذه المخاطر، مطالباً بضرورة انخراط الأبناك ومؤسسات التأمين بشكل أكبر في تغطية الكوارث الطبيعية والمناخية، وتسهيل إجراءات التعويض وتقديم منتجات تأمينية تتلاءم مع واقع التغيرات المناخية، مشدداً على أن التعويض عن الضرر لا يجب أن يبقى رهين التدخل الحكومي المباشر فقط، بل يجب أن يكون جزءاً من منظومة مالية متكاملة للحماية.
وختم الخبير تصريحه بالتنبيه إلى إشكاليات التعمير في المناطق المهددة، مؤكداً أن المغرب، الذي أصبح يعيش تقلبات مناخية حادة تجمع بين فترات الجفاف الطويلة والفيضانات الفجائية والمدمرة على غرار دول الجوار كإسبانيا والبرتغال، مطالب بمراجعة سياسات التهيئة العمرانية، وضرورة اعتماد رخص بناء تستند إلى دراسات تقنية وعلمية دقيقة تمنع بشكل قاطع البناء في مجاري الأودية والمناطق المنخفضة المهددة بالغمر، حماية للأرواح والممتلكات وضمانا لتنمية مستدامة تتكيف مع التحولات المناخية العالمية.
المصدر:
العمق