يفكر كتاب جديد في جانب من عطاء المؤرخ والمفكر المغربي عبد الله العروي، ويقدم فيه الباحث سفيان البراق “هاجس التحديث في الأدب” من خلال “دراسةٍ في النصوص الأدبية لعبد الله العروي”، مبرزا “الصِّلات القائمة بين ما هو فكري وأدبي لدى عبد الله العروي، وأن ما كتبه في الرواية واليوميات لا يخرج عن الهواجس التي استقرت في كل ما كتبه لما يربو عن نصف عقد كامل من الزمن، بل هي امتداد رسمي وحقيقي للقضايا الفكرية – النقدية والإيديولوجي عينها”.
الكتاب الجديد الصادر عن منشورات “خطوط وظلال” لكاتبه البراق، وبتقديم نور الدين صدوق، يبين أن ما ألفه عبد الله العروي أدبيا “رغم استناده إلى التخييل والتلميح والترميز المتعجل والعابر، والاحتماء بأحابيل اللغة والتواري خلفها، هو امتداد للقضايا التي نافح عنها فكريا ونقديا: جدلية التقليد/الحداثة، التربية، التعلق بالماضي، حضور الفكر التقليدي-السلفي من خلال شخصية الشيخ (في رواية الفريق)، التناحر والتنازع بين السلطة والأحزاب والجمعيات، عهد الجمر والرصاص الذي كان شاهدا على جملة من الاختطافات (رواية غيلة)، التباغض والمرج الحضاريين بين الغرب والعرب (الأنا والآخر/العدو) خاصة في روايات: ‘أوراق’، ‘غيلة’، ‘الغربة’، ‘اليتيم'”.
ويبين المؤلف أن العروي قد سعى في جل مؤلفاته الأدبية إلى “إسداء خدمة للواقع”، حيث وضع أصبعه على “حفنة من الإشكالات الاجتماعية التي ينضح بها المجتمع: تحرر المرأة المغربية، نزاع الأصالة والمعاصرة، الأخلاق… ومن ثمة يتكون أن العروي قد انتصر إلى الخيال بغية إسعاف الواقع الاجتماعي، ومال إلى الأدب ليكتب بحرية وأريحية عاليتين ربما افتقدهما في الكتب النقدية التي تقتضي منهجا معينا ومسلكا واضحا في التفكير والتحليل والاستنباط، إلى جانب أنه كتب نصوصه الأدبية بالعربية لكونها تتيح له الحرية في التعبير عما يخامر وجدانه، في حين أنه جعل اللغة الفرنسية مجرد لغة فكر لا غير”.
ومن بين ما يسائله الكتاب الجديد في تجربة العروي الأدبية اختيارهُ لغة “تنابذ لغة الروايات” المكتوبة باللغة العربية، وهو ما يفصل فيه، ليقول: “رغم التبريرات التي قدمها حينما قال: ‘إني أكتب لا لأدغدغ المشاعر’، لكن هل اللغة المضطربة والضاوية تسعد بالمقدرة على نقل ما يمورُ في جوَّته؟ هل يستطيع الشامي والخليجي، مثلا، أن يتفطن لمقاصد ومرامي يرنو إليها العروي، وهو الذي يقحم حفنة من الجُمل والتعابير الشعبية الدارجة في نصوصه بشكل واضح ومبالغ فيه دون أن يكون لذلك مبرر يقنع القارئ؟”.
علما أن رأي العروي في هذا الطرح سبق أن عبر عنه كتابة في جزء من أجزاء “خواطر الصباح”: “الرواية العصرية هي سيرة استكشافية على مستويات عديدة (…) الغرض التأثير والصدمة لا الدغدغة والتملق”.
ويراهن الكتاب الجديد على تقديم مؤلف للقارئ يبين “الوشائج الحاصلة بين مشروع عبد الله العروي الفكري، المرتكز على إشكالية توطين مكتسبات ونتائج الحداثة واستيعاب حصائل الفكر الغربي ‘وتمثل أفكاره ككتلة واحدة’ في الثقافة العربية المعاصرة، بوسم ذلك سبيلا أيسر لتحقيق الانتهاض والانبعاث المرجوّين لردَح من الزمن، فضلا عن الغرفِ من ثورات الغرب، والتحولات التي مر بها، علاوة على التصدي للحوائل-العوائق التي أحبطت حلم التحديث واغتالت حلم التقدم في الوطن العربي بصفة عامة، وفي المغرب على وجه التحديد، وبين مشروعه الأدبي الممتد في ست روايات نالت منزلة سنية، مائزة، في المغرب منذ العقد السابع من القرن الفائت”.
ويردف الكتاب الجديد قائلا: “لعل من بين أهم الجزئيات التي منحت لروايات العروي انميازا لافتا واستثنائيا هو إخلاصه البائن للقضايا والهموم الفكرية التي رسخ نفسه لها منافحا عنها، ومبتغيا إشاعتها في صفوف القراء، ومحاولا بكل جدية إقناع القارئ بها، وتبيان مواطن الخلل-الفشل في الأقطار العربية، ليتمكن من تجسيد فكرة أساس مضمونها أن الأدب، ورغم ميله إلى التخييل وعومه فيه، إلا أن ذلك يتم بغرض خدمة الواقع الاجتماعي، السياسي، والثقافي”.
المصدر:
هسبريس