تضمنت كلمة عز الدين ميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، خلال الندوة الدولية حول البحث العلمي في مجال السلامة الطرقية، المنعقدة على مدى يومي 16 و17 فبراير الجاري بالرباط، رؤية إستراتيجية تهدف إلى “دمج البحث الأكاديمي في جهود الحد من حوادث السير”، خاصة تلك المتعلقة بمستعمِلي الدراجات النارية.
ميداوي، الذي استهل كلمته بالتعبير عن تأثّره “العميق” تجاه المأساة الإنسانية التي تخلّفها حوادث السير وأثرها على عائلات الشباب الذين يذهبون ضحيّتها، قال: “إن أزيد من 2300 قتيل سنوياً من هذه الفئة تبرز عواقب وخيمة لحوادث السير بدراجات نارية على محيط الشباب والأسر (…) وهذه الأرقام تسائلنا جميعًا”، قبل تشديده على أن “مواجهة هذه الآفة تتطلب أكثر من مجرد التحسيس الإعلامي”.
وبينما أشار إلى وجود 1,3 مليون طالب(ة) وأساتذة باحثين من مستوى رفيع “تجب تعبئتهم للمساهمة في التحسيس داخل الجامعات وفي الشارع”، لفت المتحدث انتباه المشاركين إلى “ضرورة اعتماد مقاربة متعددة التخصصات مبنية على معطيات علمية دقيقة لفهم سلوك مستعملي الطريق وتطوير أدوات وقاية فعالة”.
في السياق ذاته، متحدثا خلال الجلسة الرسمية، استعرض الوزير الوصي على التعليم العالي “حصيلة الجهود المبذولة لدعم البحث العلمي في هذا المجال”، مشيرا إلى “تمويلَ 13 مشروعاً بحثياً منذ عام 2015 بميزانية إجمالية قدرها 15 مليون درهم”.
“شهد البرنامج إقبالاً كبيراً بتقديم 114 مشروعاً في المجموع”، يورد ميداوي، الذي استرسل بأن وزارته “خَصصت 85 منحة دكتوراه في تخصصات اللوجستيك والنقل والحركية المستدامة، بقيمة 7000 درهم صافية شهرياً لمدة 3 سنوات، لتعزيز الكفاءات الوطنية”.
كما فصّل الوزير عينه مبادرات بحثية تُنزّل البرنامج الوطني لدعم البحث والتطوير والابتكار “PNARDI 2025-2028” بشراكة مع مؤسسة المكتب الشريف للفوسفاط وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، بميزانية ضخمة تصل إلى مليار درهم.
وأوضح الوزير ميداوي أن “الإنتاج العلمي المغربي المرتبط بالهدف 11 من أهداف التنمية المستدامة (مدن ومجتمعات مستدامة) يتجاوز المتوسط العالمي بـ 1.7 مرة، ما يعكس المكانة القوية للمغرب في هذا المجال الإستراتيجي”؛ فيما نادى، في ما يشبه الخلاصة، بـ”تعميق التعاون بين الجامعات والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA) لتوجيه البحوث نحو المشاكل الميدانية وتطوير حلول مبتكرة تتناسب مع الواقع المغربي، مع تقليل البصمة الكربونية لأنظمة التنقل”.
في المنحى ذاته سارت كلمة مديرة المركز الوطني للبحث العلمي والتقني (CNRST) جميلة العلمي، خلال الندوة الدولية التي تناولت سلوك مستعملي الدراجات النارية بالمغرب وعلاقة إدراك المخاطر بالتصرفات على الطريق، مركزةً على “دور البحث العلمي والتقني كرافعة أساسية لتطوير حلول وقائية مبتكرة”، وأهمية التمويل والشراكات لتعزيز “منظومة البحث الوطني في مجال السلامة الطرقية”.
وكشفت العلمي عن “نتائج ملموسة لبرنامج البحث الخاص الذي أُطلق منذ عام 2015 بشراكة مع وزارة النقل ثم الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA)”، موردة أنه “تم تمويل 12 مشروعاً بحثياً، أسفرت حتى الآن عن 5 براءات اختراع و7 نماذج أولية (Prototypes)”؛ كما “طُوّرت 9 منصات إلكترونية ومُجسم ونموذج تحليلي لدراسة مخاطر الطريق”.
منتقلة إلى التكوين الأكاديمي أثمر البرنامج، بحسب مديرة الـCNRST ، عن 14 أطروحة دكتوراه “نوقشت بالفعل”، مع وجود 14 أطروحة أخرى “في طور الإنجاز”.
وبحضور الوزيرين قيوح وميداوي أشارت المتحدثة إلى “طفرة نوعية في وتيرة الأبحاث المتعلقة بالسلامة الطرقية في المملكة”، بنمو استثنائي سجّله الإنتاج العلمي الوطني في هذا المجال (زيادة 370.37% بين عامي 2015 و2025)، مبدية أن “النمو المغربي للإنتاج العلمي يتجاوز بكثير المتوسط العالمي الذي استقر عند 144.7% خلال الفترة نفسها”.
وبشكل عام “ارتفعت المنشورات العلمية الوطنية بنسبة 76.20% خلال الفترة ما بين 2020 و2024″، حسب جميلة العلمي التي دعت إلى “استمرارية الدعم المالي والتقني للباحثين”، من خلال برامج الدعم والتمويل الضخم.
وعن “دعم المشاريع” بيْنَ عامي 2013 و2024 تم تمويل 687 مشروعاً علمياً في مجالات ذات أولوية بميزانية إجمالية قدرها 796 مليون درهم.
مديرة المركز الوطني للبحث العلمي والتقني لم تنسَ استدعاء الذكاء الاصطناعي الذي “لم يعد خياراً، بل ضرورة في السلامة الطرقية، إذ يوفر آفاقاً واعدة: التنبؤ بالحوادث قبل وقوعها عبر تحليل البيانات الضخمة، وتحسين تحليل المخاطر السلوكية، خاصة لدى مستعملي الدراجات النارية، إضافة إلى تعزيز أمن مستعملي الطريق من خلال حلول تقنية ذكية”، خاتمة برسالة قوية: “البحث العلمي ليس مجرد ترف أكاديمي، بل أداة قوية لتقديم بدائل واقعية تُنقذ الأرواح وتطور مجتمعاً مستداماً”.
جدير بالذكر أنه على هامش هذا المنتدى وُقعت، الإثنين، “اتفاقية إطار بين الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية وشركة ‘Glovo المغرب'”، مع إطلاق مبادرة “2030 Glovo من أجل السلامة الطرقية”، باعتبارها برنامجًا يهدف إلى تعزيز الوقاية من المخاطر الطرقية لدى سائقي الدراجات النارية العاملين في خدمات التوصيل، والمساهمة في تحقيق أهداف الإستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية 2025-2030، خاصة في ما يتعلق بتحسين مؤشرات السلامة الطرقية لدى هذه الفئة الأكثر عرضة للمخاطر، وفق ما أفاد به منظمو الفعالية.
المصدر:
هسبريس