“أزيد من 2300 قتيل سنويا من مستعملي الدراجات النارية.. لنُوقف المأساة!”؛ استدعى هذا الرقم “المخيف” و”الخطير”، بتوصيف وزير النقل واللوجستيك، انعقادَ الندوة الدولية حول البحث العلمي في مجال السلامة الطرقية تحت موضوع: “مستعملو الدراجات النارية بين إدراك المخاطر والسلوك”، من تنظيم الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ومنظمة الصحة العالمية، اليوم وغدا الثلاثاء، بحضور باحثين وخبراء ومختصين.
بعد عرض شريط تحسيسي صادم عن حصيلة قتلى حوادث السير من مستعملي الدراجات بمحرك، أكد عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجستيك، أن تنظيم هذه الندوة يأتي تزامنا مع تخليد اليوم الوطني للسلامة الطرقية، الذي يصادف 18 فبراير من كل سنة، معتبرا إياها “محطة سنوية هامة لاستحضار حجم المسؤولية الجماعية في مواجهة آفة حوادث السير، وتجديد الالتزام بالارتقاء بمنظومة السلامة الطرقية في بلادنا”.
قال الوزير، ضمن كلمته، إن الندوة “اختارت وضع البحث العلمي في صلب النقاش العمومي لتطوير السلامة الطرقية، مع التركيز بشكل خاص على موضوع: مستعملي الدراجات بمحرك ثنائية العجلات: بين إدراك المخاطر والسلوك”، مشيرا إلى أن “هذا الاختيار ينمّ عن وعي عميق بالتحولات المجتمعية وأنماط التنقل التي تعرفها المملكة، خصوصا وأن هذه الفئة هي الأكثر عرضة للحوادث، حيث تستند هذه الأهمية إلى معطيات إحصائية مقلقة تفيد بأن عدد الضحايا من مستعملي الدراجات النارية يقارب 2300 قتيل سنويا”.
وبلغة الأرقام والمعطيات الإحصائية “المقلقة”، كشف الوزير عن المعطيات الإحصائية النهائية لسنة 2025، مبيّنا أن “فئة مستعملي الدراجات ثنائية وثلاثية العجلات أصبحت تمثل مع الأسف حوالي 45% من مجموع قتلى حوادث السير”. كما سجل، بأسى واضح، أن “عدد القتلى في صفوف هذه الفئة عرف ارتفاعا بنسبة 63% ما بين سنتي 2015 و2024، في الوقت الذي شهدت فيه بقية الفئات (باستثناء الراجلين) تراجعا ملموسا في عدد القتلى بنسبة بلغت 27.50%. وشدد على أن “هذا الواقع يفرض إعادة توجيه التدخلات العمومية نحو تحسين شروط السلامة لهذه الفئة الأكثر عرضة للمخاطر”.
في معرض حديثه، أبرز قيوح أن البحث العلمي “ركيزة أساسية لتطوير استراتيجية السلامة الطرقية المبنية على الأدلة والمعطيات الدقيقة”.
وأوضح أن “الاستثمار في البحث العلمي يتيح فهما أعمق للعوامل السلوكية والإدراكية والاجتماعية التي تؤثر على مستعملي الطريق، مما يمكن من تطوير حلول مبتكرة تتلاءم مع الخصوصيات السوسيو-اقتصادية. وفي هذا الصدد، تعمل الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية على تعزيز شراكاتها مع الجامعات ومراكز البحث الوطنية والدولية لتوجيه المعرفة العلمية نحو الأولويات الوطنية وترسيخ قرار عمومي مبني على أسس علمية رصينة”.
متحدثا عن آفاق مستقبلية، أعلن وزير النقل عن “استكمال إنجاز دراسة تقنية تقييمية شاملة للمرحلة الأولى من الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية (2017-2026)، والبدء في إعداد مخطط العمل للفترة ما بين 2026 و2030 وفق مقاربة تشاركية، قبل أن يختتم كلمته بـ”الإشادة بالمجهودات المبذولة من طرف مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات الأمنية، وعلى رأسها الأمن الوطني والدرك الملكي والوقاية المدنية، وكذا وزارات الداخلية، والعدل، والاقتصاد والمالية، والصحة، والتعليم العالي، مؤكدا على أن التكامل بين المعرفة العلمية وصناعة القرار هو السبيل الوحيد لتحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية”.
بناصر بولعجول، المدير العام للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA)، تطرق خلال الجلسة الرسمية لافتتاح الندوة الدولية حول السلامة الطرقية والبحث العلمي لـ”تطور مفهوم السلامة الطرقية كعِلمٍ”، وأكد أن “السلامة الطرقية انتقلت خلال العقود الستة الماضية من مجرد مقاربة وصفية وإحصائية إلى تخصص علمي متعدد الأبعاد”.
وقال: “اليوم يُدمج تخصصات متنوعة تشمل الهندسة، الطب، علم النفس، علم الاجتماع، والاقتصاد، وصولا إلى أحدث تقنيات علوم البيانات والذكاء الاصطناعي”. وأشار إلى أن فترة الستينيات والسبعينيات شهدت صحوة عالمية بشأن التكلفة البشرية والاقتصادية لحوادث السير، مما ركز الأبحاث في بداياتها على تحسين سلامة المركبات (كأحزمة الأمان والوسائد الهوائية) وتطوير البنية التحتية”.
وعن الانتقال نحو مقاربة “النظام الآمن”، لفت مدير “نارسا” في كلمته إلى أن “المقاربة تطورت تدريجيا نحو ما يعرف بالنظام الآمن، وهي استراتيجية تقر بأن الخطأ البشري أمر حتمي، وبالتالي يجب تصميم نظام النقل بشكل يحد من عواقب هذه الأخطاء. وقد تعزز هذا التوجه بفضل جهود المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، التي وضعت السلامة الطرقية كرهان أساسي للصحة العامة والتنمية المستدامة”.
المسؤول ذاته شدد على أنه “رغم التقدم التكنولوجي، يظل العامل البشري هو المحدد الرئيسي في معادلة السلامة الطرقية. واستعرض في هذا الصدد الدراسات التي أُجريت منذ الثمانينيات، والتي كشفت تأثير السرعة المفرطة، القيادة تحت تأثير الكحول أو المواد المؤثرة عقليا، عدم احترام وسائل الحماية، وتشتت الانتباه المرتبط باستعمال الهاتف المحمول”، بالإضافة إلى “الانحيازات المعرفية والتمثلات الثقافية المؤثّرة على سلوك السائقين”.
كما أبرز بولعجول أن المغرب جعل من تعزيز البحث العلمي محورا استراتيجيا منذ عام 2011 ضمن المخطط الاستراتيجي الثالث. وأكد أن بلوغ أهداف الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية لا يمكن أن يتحقق بدون سند تقني مهيكل ومواكبة علمية دقيقة تضمن نجاعة السياسات العمومية.
وتجسدت هذه الإرادة-حسب قوله-في الاتفاقية الموقعة عام 2015 بين وزارة النقل والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني (CNRST)، “التي أثمرت إنتاجا علميا غزيرا شمل مقالات دولية، براءات اختراع، نماذج أولية، وأطروحات دكتوراه”، مما يعكس، بحسبه، “قدرة الجامعة المغربية على إنتاج بحث علمي تطبيقي ذي قيمة مضافة عالية”. كما أعلن بولعجول عن توسيع هذه الدينامية عبر شراكات مع مؤسسات جامعية كبرى، مثل جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P)، والجامعات الدولية بالرباط والدار البيضاء، والجامعة الأورومتوسطية بفاس، وجامعة القاضي عياض بمراكش.
يشار إلى أن المنتدى الدولي للسلامة الطرقية يتوخى “إبراز الدينامية البحثية والمنجزات العلمية في هذا المجال، وتعزيز وعي الأوساط الأكاديمية بأهمية البحث العلمي في دعم السياسات العمومية، وتبادل الخبرات بين الباحثين والخبراء الوطنيين والدوليين حول قضايا السلوك وإدراك المخاطر، مع مناقشة دور البنيات التحتية في توجيه السلوك والحد من الحوادث، وفتح آفاق تعاون مؤسساتي مستدام في مجال البحث العلمي للفترة 2026-2030”.
المصدر:
هسبريس