في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، لم تعد سلاسل التوريد الدولية مجرد قنوات لنقل البضائع؛ بل أصبحت “الأوعية الدموية” التي تضمن استقرار النمو. ومع ذلك، تبرز “الاضطرابات الجوية- المناخية المتطرفة” كمُتغيّر حرج يفرض ضغوطا غير مسبوقة على هذه السلاسل، حيث تتحول العواصف ومتتالية المنخفضات من ظواهر جوية عابرة إلى عوائق لوجستية مباشرة تؤدي إلى ما يُعرف بـ”الاختلالات الجوهرية” في حركة الملاحة.
تكمن حساسية هذا الملف في ارتباط التجارة الخارجية للمغرب بشكل عُضوي بالمسارات البحرية؛ باعتبارها الوسيلة “الأكثر كفاءة والأقل كلفة” لنَقل السلع الأساسية؛ فعندما تضطرب الحالة الجوية، يتعطل “المدخل المينائي”، مما يجبر السفن على الانتظار لفترات طويلة قد تتجاوز الأسبوعَيْن، وهو ما يُترجم فورا إلى ارتفاع في التكاليف اللوجستيكية وتراجع في مؤشرات الأداء والنجاعة، وفق ما استقته هسبريس من مهنيين وباحثين في التجارة الإلكترونية.
ولا يؤثر هذا الارتباك الزمني فقط على وصول السلعة؛ بل يمتد أثره ليزعزع استقرار العمليات الإنتاجية التي تعتمد على “التوقيت الدقيق” و”آجال التسليم”.
وعن اضطراب سلاسل التوريد العالمية والنقل البحري، أوضح عزيز برهمي، خبير في اللوجستيك وأستاذ باحث بجامعة ابن طفيل، أن سلاسل التوريد والتموين الدولية تشهد ما يُعرف بالاضطرابات الحادّة (Perturbations) أو الاختلالات الجوهرية (Disruptions) .
وأشار برهمي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن “الغالبية العظمى من السلع والسلع الأساسية يتم نقلها عبر البحر، لكون النقل البحري هو الوسيلة الأقل تكلفة والأكثر ملاءمة لمختلف أنواع البضائع”.
راصدا “تأثيرَ العوامل المناخية على العمليات المينائية”، أكد الخبير اللوجستيكي أن “العوامل المناخية المضطربة والعواصف تحُول دون تمكن السفن من دخول الموانئ بشكل طبيعي، حيث تضطر السفن إلى الانتظار خارج الحوض المينائي لفترات قد تصل أحيانا إلى 15 يوما، ترقبا لتحسن الظروف الجوية أو تغير مستويات المد والجزر لضمان عملية رسُو آمنة (Accostage)”.
وشدد برهمي على أن “التأخيرات لا تقتصر آثارها على الجانب الزمني فقط، بل تمتد لتشمل التكاليف اللوجستيكية التي ترتفع بشكل ملحوظ نتيجة الانتظار؛ مما يؤثر سلبا على “النجاعة اللوجستيكية” (Performance Logistique) بشكل عام، ويؤدي إلى “ارتباك في المواعيد النهائية للتسليم”.
وفي تحليله للعلاقة بين المناخ والميزان التجاري، أوضح المصرح للجريدة أن العجز في الميزان التجاري المغربي هو عجز “بنيوي” مرتبطة بطبيعة وهيكلة الاقتصاد الوطني، وليس عجزا “ظرفيا” ناتجا عن أحوال الطقس؛ فالمسألة تتعلق بالقدرة التنافسية على التصدير مقابل الاستيراد.
وأشار في شروحاتٍ لهسبريس إلى أن “المغرب اتخذ خطوات استراتيجية لمواجهة هذا العجز عبر إعادة هيكلة النسيج الصناعي، من خلال قطاعات قوية مثل صناعة السيارات وصناعة الطيران؛ والتي أصبحت من أكثر القطاعات تصديرا وتساهم في تقليص فجوة الميزان التجاري بغضّ النظر عن العوامل المناخية”.
وختم برهمي تصريحه بالإشارة إلى أن الاضطرابات المناخية تؤثر على جميع الموانئ (مثل ميناء الجرف الأصفر وطنجة المتوسط)؛ فيما الحلّ يكمن في إعطاء الأولوية في التدبير للمواد “الاستراتيجية” التي يعتمد عليها الاقتصاد الوطني بشكل كامل. فالتأخير في توريد مواد أساسية للطاقة أو الصناعة التحويلية الكبرى له أثر أعمق بكثير من التأخير في مواد ثانوية، مما يتطلب اعتماد الجهات الوصية “رؤية لوجستيكية قادرة على التكيف مع هذه المتغيرات المتطرفة”.
دخل المغرب للشهر الثالث على التوالي في سلسلة من الاضطرابات الجوية والتساقطات المطرية المهمة، وهي وضعية سيكون لها أثر إيجابي واضح على الموسم الفلاحي الحالي وعلى المواسم المقبلة عبر تعزيز الفرشة المائية ورفع مخزون السدود؛ غير أن المواسم المطرية القوية غالبا ما ترافقها تداعيات سلبية على بعض الزراعات الحساسة لكثرة التساقطات، إضافة إلى تأثيرات على سلاسل التصدير.
أشار أحمد المغربي، خبير في التجارة الدولية متخصص في عمليات الاستيراد والتصدير، لدخول المغرب للشهر الثالث على التوالي في سلسلة من الاضطرابات الجوية والتساقطات المطرية المهمة، وهي وضعية لها أثر إيجابي واضح على الموسم الفلاحي الحالي وعلى المواسم المقبلة عبر تعزيز الفرشة المائية ورفع مخزون السدود؛ “غير أن المواسم المطرية القوية غالبا ما ترافقها تداعيات سلبية على بعض الزراعات الحساسة لكثرة التساقطات، إضافة إلى تأثيرات على سلاسل التصدير”.
ورصد المغربي، ضمن تصريح لجريدة هسبريس، “على مستوى الصادرات المغربية خلال الفترة الحالية، تسجيلَ توقف مؤقت لميناء طنجة المتوسط لأيام عديدة بسبب هيجان البحر وشدة الرياح الناتجة عن عواصف متتالية؛ ما أدى إلى تعليق الرحلات البحرية التي تنقل عددا كبيرا من الشاحنات المحملة بصادرات مختلفة من الخضر والفواكه والمنتجات البحرية وغيرها. كما تأثرت، أيضا، “صادرات مناطق التسريع الصناعي، خاصة في قطاعات السيارات والمعدات الإلكترونية والنسيج”.
و”تبقى مرحلة استئناف نشاط الميناء بعد التوقف من أكثر المراحل حساسية بسبب تراكم الشاحنات والبواخر المنتظِرة للشحن أو التفريغ، وهو ما يخلق ضغطا على المنظومة اللوجستية ويؤثر على آجال المعالجة”، وفق الخبير بالتجارة الدولية.
كما أن توقف الميناء ينعكس، حسب أحمد المغربي، “مباشرة على التزامات المصدّرين المغاربة مع الزبناء في الخارج. وقد يؤثر على جودة المنتجات الغذائية سريعة التلف”، إضافة إلى “إحداث اضطرابات في الأسعار نتيجة وصول كميات كبيرة للأسواق في وقت واحد أو، بالعكس، ارتفاع الأسعار عند انخفاض العرض مقارنة بالطلب”.
وخلال الفترة الأخيرة، شهد كل من ميناء الدار البيضاء وميناء الجرف الأصفر “فترات توقف بسبب سوء الأحوال الجوية، على الرغم من أن ميناء الدار البيضاء يظل موجها أكثر للواردات”؛ في حين يبقى ميناء طنجة المتوسط الممر الرئيسي للصادرات المغربية خاصة نحو أوروبا، أبرز المغربي الذي قال إنه “قد سبق التنبيه إلى أن ميناء طنجة المتوسط سيشهد ضغطا متزايدا نتيجة ارتفاع الاستثمارات الأجنبية ونمو المبادلات التجارية؛ وهو ما يجعل ميناء الناظور غرب المتوسط مرشحا للعب دور محوري في تخفيف الضغط وتعزيز مرونة المنظومة اللوجستية الوطنية”.
وخلص الخبير في التجارة الدولية المتخصص في عمليات الاستيراد والتصدير إلى أن “التفكير في إطلاق مشروع ‘ميناء القنيطرة الأطلسي’ قد يتحول خلال المرحلة المتوسطة المقبلة إلى ضرورة اقتصادية ولوجستية في ظل تسارع النمو التجاري والصناعي بالمغرب”.
المصدر:
هسبريس