آخر الأخبار

الأمن الغذائي والسيادة المائية .. المغرب يقترح رؤية إفريقية مندمجة

شارك

بثقل دبلوماسي وازن وخلفية تقنية تراكم عقودا من سياسات السدود والتدبير الاستباقي، شارك المغرب في أشغال القمة التاسعة والثلاثين لقادة ورؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، نهاية الأسبوع، بالعاصمة الإثيوبية. وتأتي هذه القمة في لحظة فارقة تواجه فيها القارة تحديات وجودية ترتبط بالأمن المائي والغذائي، وفي أعقاب فيضانات وسيول غمرت مناطق متعددة من القارة الشاسعة.

تحت شعار “ضمان توافر المياه وأنظمة صرف صحي آمنة من أجل بلوغ أهداف أجندة 2063″، تضع القمة القارةَ أمام مرآة الواقع؛ إذ لم يعد “الذهب الأزرق” مجرد مورد طبيعي، بل بات ركيزة أساسية للاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والصحة العمومية.

في هذا السياق، يؤكد محللون استقت هسبريس آراءهم أن المغرب ليس فقط كعضو فاعل، بل كشريك استراتيجي، يمتلك “مفاتيح” الحلول المبتكرة في التدبير المستدام للموارد المائية، انطلاقا من تجربته الرائدة في “سياسة السدود” وصولا إلى مشاريع تحلية مياه البحر و”الطريق السيار للماء” وكذا تدبير أزمة الإجهاد والندرة في السنوات المنصرمة.

وعدّ هؤلاء المحللون أن “حضور المغرب في هذه القمة يتجاوز التمثيل البروتوكولي” إلى طرح رؤية مندمجة تربط بين السيادة المائية والأمن الغذائي الإفريقي، ما يسائل قدرة القارة واحتمال “استنساخ” التجربة المغربية لمواجهة شبح الجفاف والتغيرات المناخية.

المغرب يخدم القارة

في قراءة تقنية لمضامين المشاركة المغربية في قمة الاتحاد الإفريقي، قال محمد بازة، خبير دولي متخصص في الموارد المائية، إن المملكة المغربية راكمت “خبرة طويلة وعميقة” في مجال هندسة وتدبير الموارد المائية. وأضاف في تصريحه لهسبريس أن هذا الرصيد ليس مجرد تجربة وطنية محلية، بل هو نموذج قابل للتقاسم والتعميم مع مختلف البلدان الإفريقية التي تعاني من تحديات مشابهة، مما يجعل من المغرب مرجعا تقنيا وسياسيا في هذا المضمار.

وأبرز بازة، الذي شغل منصب موظف سام سابق بمنظمة “الفاو” التابعة للأمم المتحدة لمدة 20 سنة، أن “قدرة المغرب على مشاطرة خبراته مع عمقه الإفريقي تنبع من التراكم التاريخي في سياسات الماء، وهو ما ينسجم تماما مع الشعار الذي ترفعه القمة الحالية”. فالمغرب، حسب الخبير الدولي ذاته، يمتلك الأدوات التقنية والمنهجية التي تتيح له تقديم قيمة مضافة حقيقية في معالجة إشكالات الولوج إلى المياه، وهو ملف يتصدر أولويات الأجندة التنموية لإفريقيا 2063.

ومع ذلك، وضع المصرح لهسبريس هذه المشاركة في سياقها الدقيق؛ فبينما يظل ملف المياه هو “الحلقة الأقوى” في الخبرة المغربية التي تحتاجها القارة، لفت الانتباه إلى ضرورة رصد المفاصل الدقيقة التي لا تقتصر على استعراض المكتسبات، بل في توجيهها لتخدم النقاشات الراهنة، سواء تعلق الأمر بالماء “كعنصر مستقل، أو بارتباطه الوثيق بقطاعات أخرى كالصناعة والأمن الغذائي”.

وخلص بازة إلى أن “الرهان اليوم يكمن في كيفية تحويل هذه الخبرة المغربية الوازنة إلى برامج تعاون ملموسة”، مسجلا أن المغرب، بخلفيته التقنية الواسعة، قادر على لعب دور “القاطرة” في القارة الإفريقية لضمان تدبير مستدام للموارد المائية، بما يضمن مواجهة الانعكاسات المباشرة للتغيرات المناخية على الصحة العمومية والتنمية المستدامة في ربوع القارة.

ولم يفُتِ الخبير الأممي السابق أن يؤكد أن” قمة أديس أبابا 2026″ سلطت الضوء على “الأضرار الناجمة عن الفيضانات المدمرة التي اجتاحت القارة، وعلى ضرورة معالجة آثار أزمة التغيرات المناخية”، منوها إلى أنها “ليست المرة الأولى التي يهتم فيها الاتحاد بموضوع المياه؛ إذ سبق أن خصَّص للموارد المائية والأمن الغذائي في إفريقيا نصف قمة استثنائية عقدها سنة 2004”.

“دبلوماسية المياه”

يرى لحسن أقرطيط، أستاذ الجيوبوليتيك محلل متابع للشؤون الإفريقية، أن المملكة المغربية باتت اليوم قادرة على تقاسم تجربتها الرائدة في مجال الاستراتيجية المائية مع محيطها، وهي الاستراتيجية التي تبنتها المملكة تحت الإشراف المباشر للملك محمد السادس. ويأتي هذا التوجه “بعد سنوات طويلة اكتوى فيها المغرب بنار الجفاف، مما دفع الدولة إلى اعتماد سياسات استباقية لضمان توفير الموارد المائية وترشيد استهلاكها”.

وضمن تصريح لهسبريس، اعتبر أقرطيط أن توجه المغرب نحو تشييد محطات تحلية مياه البحر، بالإضافة إلى مشروع “الطرق المائية السيّارة”، يمثل ثورة حقيقية في مجال التدبير المائي. وقد بدأت هذه المشروعات تؤتي “ثمارها بشكل إيجابي وملموس، بالتزامن مع سياسة السدود التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني، والتي تظهر أهميتها القصوى اليوم، خاصة بعد موجات الأمطار الأخيرة التي شهدتها المملكة خلال الموسم الشتوي الحالي”.

وأشار المتحدث إلى “وجود وعي وإدراك عميقَين، سواء لدى الرباط أو لدى المنتظم الدولي، بأن التغيرات المناخية أصبحت تلقي بظلالها الثقيلة على مناطق واسعة من العالم، ولا سيما القارة الإفريقية. وتواجه القارة تحديات حقيقية تتمثل في انحسار الأمطار وتوالي سنوات الجفاف، مما يهدد بشكل مباشر الأمن الغذائي على المستوى القاري”.

وفي هذا السياق، “يضع المغرب تجربته المتراكمة في تدبير الشأن المائي أمام الدول الإفريقية داخل منظومة الاتحاد الإفريقي”، يورد أقرطيط، مشددا على أن الدول الإفريقية مطالبة اليوم بتبني استراتيجيات مماثلة لضمان “أمن مائي” يكون ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي.

وختم الخبير في الشؤون الإفريقية بالتأكيد على أن “قرار الدولة في المضي قدما نحو بناء محطات التحلية وإنشاء الطرق المائية لنقل فائض المياه من الشمال إلى الجنوب هو قرار استراتيجي لا رجعة فيه، ويمثل نموذجا واعدا يمكن للدول الإفريقية الاسترشاد به لمواجهة تقلبات المناخ وتأمين احتياجاتها المستقبلية”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا