ما الذي يجعل الوساطات البرلمانية غير قادرة على حل الأزمات المجتمعية والسياسية التي تحل بالمغرب؟، وقد كان ملف المحامين آخر مثال على تعثر متكرر للبرلمان في هذه المهمة.
وعلى سبيل الذكر ليس الحصر، لم تنجح الوساطة البرلمانية في وضع يدها على ملف “حراك التعليم” سنة 2024، وفي أزمة طلبة الطب التي استمرت لوقت طويل، كان البرلمان مساهما؛ لكن مؤسسة وسيط المملكة كانت وراء الحل. أما ملف المحامين، فقد نشر عبد الله بوانو، رئيس المجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، توضيحا همّ كل مساعي إحقاق هذه الوساطة؛ غير أن رئاسة الحكومة أعادت المحامين إلى المحاكم.
خديجة الزومي، النائبة البرلمانية عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، قالت إن “الوساطة البرلمانية، كغيرها من الوساطات الإنسانية، هي محاولة لتقريب وجهات النظر وليست مشروطة بتحقيق نتائج ملموسة بالضرورة”.
وأضافت الزومي، في تصريح لهسبريس، أن البرلمانيين يسعون، من خلال الوساطة، إلى مد الجسور وتلطيف الأجواء بين الأطراف المتنازعة، مع الإقرار بأن قرار الحسم النهائي في القوانين والتشريعات يظل “رهينا بآليات التصويت السياسي داخل قبة البرلمان، حيث تحكم الأغلبية والمعارضة موازين القوى”.
وأوضحت المتحدثة أن الحكومة مطالبة بالتدخل العاجل لحل الملفات العالقة التي تسببت في تعطيل المرفق العام لفترات طويلة، مشيرة إلى أن “المهمة الأساسية للبرلمان هي التشريع، وأن الكلمة الفصل في أي نزاع قانوني يجب أن تنبثق من هذه المؤسسة الدستورية؛ فبالرغم من أهمية المبادرات الإنسانية والودية التي يقوم بها رؤساء الفرق البرلمانية لجمع الأطراف المتنازعة، فإن الحلول القانونية الملزمة لا تكتسب شرعيتها إلا عبر المسطرة التشريعية المتعارف عليها”.
وشددت الزومي على رفض مبدأ “التشريع الفئوي” الذي قد يسعى إليه البعض، حيث لا يمكن لكل قطاع مهني، سواء كان أطباء أو محامين أو أساتذة، أن يضع تشريعات خاصة به؛ فالتشريع يجب أن يكون شموليا يراعي مصلحة الوطن العليا ويضمن حقوق جميع الأطراف دون تمييز، وفق تعبيرها.
واختتمت البرلمانية عينها بالتأكيد على أن الدور الجوهري للبرلمانيين هو السهر على تحقيق التوازنات الاجتماعية وضمان التصويت على قوانين منصفة وعادلة. وتابعت: “إذا كانت الوساطة وسيلة للتواصل، فإن التشريع هو الغاية لضمان الاستقرار القانوني والمجتمعي؛ وهو ما يستوجب من المؤسسة التشريعية ممارسة صلاحياتها كاملة لخدمة الصالح العام”.
من جهته، قال مصطفى الإبراهيمي، عضو المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، إن “الحكومة تعاني من أزمة حقيقية في تدبير الأزمات، حيث تظهر عاجزة عن حل المشاكل الاجتماعية والاحتجاجات المتكررة بشكل مباشر؛ مما يضطرها في نهاية المطاف إلى طلب الوساطة البرلمانية وغيرها من أشكال الوساطة، لتجاوز المآزق التي تقع فيها”.
وأوضح الإبراهيمي أن تجربة إضرابات طلبة الطب كشفت بوضوح عن تعنت وزاري سابق ومواقف حادة لم تنجح في فرض إرادتها، لينتهي الأمر بالخضوع لمطالب الطلبة في نهاية المطاف؛ وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى التصلب الحكومي الذي يسبق التنازلات الحتمية.
وأشار عضو المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، من جهة، إلى أن رئيس الحكومة يحاول دائما تقمص دور “المنقذ” في اللحظات الأخيرة، كما حدث في ملف التعليم وملف المحامين حاليا، حيث يتدخل لتقديم وعود وتأجيلات بعد أن تصل الأمور إلى طريق مسدود؛ وهو ما يضع الوزراء المعنيين بالقطاعات في مواقف محرجة أمام الرأي العام.
كما انتقد المتحدث لجوء السلطة التنفيذية إلى مؤسسات الوساطة الأخرى فقط للالتفاف على المبادرات البرلمانية التي تكون قد قطعت شوطا في الحل؛ وذلك رغبة من الحكومة في عدم منح المؤسسة التشريعية الفضل في حل الأزمات، ولإظهار رئيس الحكومة كبطل وحيد للمشهد.
واختتم الإبراهيمي بالتأكيد على أن الحكومة تفتقد إلى ثقافة الاستباقية في معالجة الملفات الحساسة، حيث تبدأ برفع سقف التحدي ثم تنتهي بالخضوع تحت ضغط الشارع والمبادرات السياسية؛ مما يكشف عن “خلل بنيوي في طريقة إدارة الأزمات الاجتماعية والتعاون مع الفرق البرلمانية بمختلف أطيافها”.
المصدر:
هسبريس