آخر الأخبار

اليحياوي: “مدارس الريادة”.. إصلاح طموح يهدده “الإنهاك” وغياب الكفاءات

شارك

أكد مصطفى اليحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية تقييم السياسات العمومية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وجود هوة كبيرة وانفصال واضح بين الخبرة المركزية التي تضع مخططات الإصلاح التربوي، وبين واقع الممارسة وإنتاج النتائج في الميدان، مشددا على أن التحدي الأكبر الذي يواجه مشروع “مدارس الريادة” لا يكمن في مضمون الإصلاح بقدر ما يتعلق بمنهجية إدارته وتنزيله على أرض الواقع.

وأوضح اليحياوي، في مداخلة له في ندوة وطنية نظمها المرصد الوطني للتنمية البشرية حول تقييم مشروع “مؤسسات الريادة”، أن الاشتغال الميداني أظهر وجود قطائع بين التصورات المركزية وتمثلات الفاعلين الميدانيين، حيث كشفت المقاربة الكيفية المعتمدة في التقييم غياب تقاسم حقيقي لـ”ثقافة التغيير” بين هؤلاء الفاعلين، مسجلا التباسا حاصلا بين الانخراط في السياسة العمومية والانخراط الفعلي في البرنامج التنفيذي، إذ تظل الرؤى الاستراتيجية والقوانين الإطار مجرد نصوص معيارية، بينما يطرح التنزيل العملي إشكالات تدبيرية معقدة.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن البرنامج الجديد خلق ما وصفه بـ”الزعزعة الثقافية” داخل المنظومة، موضحا أن الأستاذ هو نفسه لم يتغير، لكن طريقة أدائه للدرس تغيرت بفعل المتطلبات التقنية الجديدة والوسائل الرقمية التي فرضت نمطا سلوكيا مغايرا، وهو ما أدخل منطق “محاسبة الأداء” إلى قلب العملية التربوية، مشكلا تحديا حقيقيا وحالة من القلق لدى الأساتذة الذين أصبحوا مطالبين بتحقيق مؤشرات رقمية يومية ومشاركتها عبر تطبيقات التراسل الفوري، مما جعلهم في حالة تفاوض مستمر مع هذه المؤشرات حتى خارج أوقات العمل.

وأضاف الخبير في تقييم السياسات العمومية أن المشروع نجح نظريا في تحديد “سلسلة القيم” داخل المؤسسة التعليمية بشكل واضح، إلا أن السؤال الجوهري يظل مرتبطا بمدى توفر الفاعلين في الميدان على الكفايات اللازمة لتحقيق الأهداف الطموحة، مثل تقليص نسب التعثر الدراسي بنسبة 30 في المئة، متسائلا عمن يملك سلطة تحديد “قيمة” الخدمة التربوية: هل هي الإدارة المركزية بمعاييرها الكلية، أم التلميذ كـ”مستعمل نهائي” الذي قد لا يمتلك القدرة على تحديد حاجياته بدقة، خاصة في المجال القروي.

وكشف اليحياوي عن وجود “حساسيات صامتة” بين المديرين والمفتشين تعيق سلاسة التنزيل، حيث لاحظ من خلال تتبعه للمشروع منذ غشت الماضي غيابا فعليا للمفتشين داخل سلسلة الإنتاج اليومية بالمؤسسات الرائدة، في حين يجد المديرون حرجا في ممارسة أدوار القيادة البيداغوجية المباشرة وتوجيه الأساتذة، نظرا للتقاليد الثقافية للمدرسة المغربية التي تحصر هذا الدور في المفتش، وهو ما يخلق ارتباكا في منظومة القيادة والتوجيه داخل هذه المؤسسات.

وتابع الأستاذ الجامعي تحليله بالتنبيه إلى أن كثافة المراقبة والتتبع وتقييم الأداء طوال السنة قد تؤدي إلى إنهاك الفاعلين التربويين، خاصة في ظل عدم وضوح الصلاحيات التدبيرية بعد تفويضها من الأكاديميات والمديريات إلى المؤسسات التعليمية، مشيرا إلى أن نجاح المشروع رهين بتحويل الأهداف المسطرة إلى “هم مشترك” ومتقاسم بين جميع المتدخلين، بدل أن يظل مجرد التزام تقني بمؤشرات قد لا تعكس بالضرورة جودة التعلمات الحقيقية أو الرضا الفعلي للمستفيدين.

وخلص المتحدث إلى أن المؤسسات التعليمية الرائدة تعيش مفارقة تتمثل في وجود “تصادم للمصالح” بين الأهداف المعيارية للبرنامج وبين القدرات الذاتية والواقعية للأطر التربوية، داعيا إلى ضرورة التفكير بجدية في مخاطر الاعتماد المفرط على مؤشرات الأداء التقنية على المدى المتوسط والبعيد، وضرورة بناء تعاقدات جديدة مبنية على الثقة وتقاسم المسؤولية لضمان استدامة الإصلاح وتحقيق أثره المباشر على التلميذ.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا