آخر الأخبار

بحضور مسؤولين مغاربة.. فرنسا تكرم بتنغير 15 “خائنا” تسببوا في استشهاد 1300 مقاوم سنة 1933

شارك

في خطوة وصفت بـ”الوقاحة التاريخية” و”الطعنة في ظهر المقاومة”، شهدت منطقة ألنيف بإقليم تنغير، يوم الخميس 12 فبراير، مراسم تدشين مثيرة للجدل لما سمي بـ”المربع العسكري” بمقبرة ألنيف-بوغافر.

الحدث الذي سوقته السفارة الفرنسية بالمغرب تحت غطاء “الذاكرة المشتركة”، تحول إلى موجة سخط عارمة لدى المغاربة، بعدما تبين أنه تكريم رسمي لجنود “الكوم” الذين حملوا السلاح إلى جانب المستعمر الفرنسي لقتل أبناء جلدتهم من مقاومي قبائل آيت عطا في معركة بوغافر الشهيرة عام 1933.

وأقيم الحفل بحضور القنصل العام لفرنسا بمراكش، كوينتين تيسير، ومدير الذاكرة والثقافة بوزارة الجيوش الفرنسية، إيفانس ريتشارد، وبتمويل كامل من وزارة الجيوش الفرنسية.

غير أن الجدل لم يرتبط بطبيعة الحضور الفرنسي، الذي درج على تنظيم أنشطة ذات صلة بفترة الوجود الاستعماري، بقدر ما انصب على المشاركة الرسمية لمسؤولين مغاربة في مراسم تكريم رفات 15 جنديا من قوات “الكوم”، لقوا مصرعهم خلال عمليات عسكرية استهدفت مقاومين مغاربة خلال فترة المواجهات المسلحة.

البيان الفرنسي الصادر بهذه المناسبة تحدث بعبارات “رومانسية” عن “الاحترام والاعتراف المتبادل”، متجاهلا أن “المربع العسكري” الذي تم تدشينه هو تكريم لـ “خونة” تسببوا في مقتل أزيد من 1300 مغربي سقطوا في جبال بوغافر دفاعا عن الأرض والعرض، حيث استعملت فرنسا هؤلاء “الكوم” كدروع بشرية وكأدوات قمع ضد المقاومة الوطنية بقيادة عسو أوبسلام.

وأثار هذا التكريم تساؤلات حول من سمح بتمرير هذه “الإهانة” لتاريخ المنطقة، إذ أن معركة بوغافر، التي جرت أطوارها بين فبراير ومارس 1933، لم تكون نزهة ولا حربا عادية، بل كانت ملحمة إبادة تعرضت لها القبائل المغربية، حيث سقط ما يقارب 1300 شهيد مغربي، بينهم مئات النساء والأطفال والشيوخ الذين حاصرتهم القوات الفرنسية وقطعت عنهم الماء وقصفتهم بالطائرات.

ويرى نشطاء ومهتمون بالتاريخ أن تكريم “الكوم” في نفس التربة التي تضم رفات الشهداء الذين قتلوهم، هو “شيزوفرينيا” رسمية وعبث بالتاريخ، إذ كيف يعقل أن نترحم على الشهيد ونكرم قاتله في آن واحد؟ حيث إن الجنود الذين تم الاحتفاء بهم يوم الخميس الماضي لم يقتلوا في الحرب العالمية الثانية ضد النازية (وهو السياق الذي قد يُفهم فيه التكريم)، بل قتلوا وهم يحاولون كسر شوكة آخر معاقل المقاومة المغربية المسلحة.

خيانة للذاكرة

مصدر الصورة

وفي سياق ردود الفعل الغاضبة، أصدرت فعاليات مدنية وحقوقية من أبناء المنطقة عريضة استنكارية شديدة اللهجة تحت شعار “دماء بوغافر.. عهد لا يُباع ولا يُساوم”، وقعها العشرات من أبناء المنطقة (من بينهم محمد العزاوي، موحا ارجى، وفاطمة خيار..)، معتبرين أن توقيت التدشين في 12 فبراير، وهو الشهر الذي يرمز إلى أوج حصار وتجويع مجاهدي بوغافر سنة 1933، يحمل دلالات “استفزازية” لمشاعر الساكنة.

وواجه الموقعون على العريضة المنظمين بتناقضات الموقف الفرنسي، متسائلين بحدة: “هل تقبل فرنسا اليوم بترميم وتكريم قبور المتعاونين مع حكومة فيشي الموالية للنازية؟ وهل تستطيع باريس دخول الجزائر لترميم قبور الحركيين الذين يُمنعون حتى من زيارة بلاد المليون ونصف شهيد؟”.

كما استغرب المحتجون كيف يُجرّم البرلمان الفرنسي ما قامت به تركيا ضد الأرمن ويعتبره إبادة، بينما تأتي ديبلوماسيته إلى المغرب لتمجيد “قتلة” تحت مسمى التعايش، مشددين على أن “التعايش لا يعني طمس الحقيقة، ولا المساواة بين الضحية والجلاد”.

من جانبه، دخل عبد الواحد درويش، أحد أحفاد المقاوم “حوسى علي نايت سالم”، على خط الأزمة من مقر إقامته بنيويورك، معبرا في بيان ناري عن “اندهاشه وامتعاضه الشديدين” من الخطوة.

وقال درويش في بيانه: “إن ترميم مقبرة تضم رفات من سقطوا وهم يهاجمون نساءنا وأطفالنا ويسممون أوديتنا، لا يخدم الذاكرة المشتركة، بل هو عمل مستفز”، مضيفا بمرارة: “كيف يليق ترميم مقابر 15 مجندا فرنسيا بأموال ضخمة وتقنيات حديثة، في الوقت الذي تتعرض فيه مقابر آلاف الشهداء المغاربة والمعطوبين للتلف والنسيان في الشعاب وقمم الجبال؟”.

وعلى مستوى آخر، اعتبر نشطاء أن نشر السفارة الفرنسية لصور المسؤولين المغاربة وهم يقفون بخشوع أمام قبور “الكوم”، هو محاولة لإحياء ما وصفوه بـ”عقدة الكَلاوي” (في إشارة للباشا التهامي الكلاوي الذي تعاون مع الحماية).

وجاء في تدوينات غاضبة تداولها أبناء المنطقة: “هكذا تنشر السفارة الفرنسية صورتها وهي منتشية بترميم مقبرة عملائها. لن نضيع كلامنا في حق من شرب حليب الذل والخنوع، ولن نستنكر حضور من يحن للعب دور الباشا”.

وأشار الغاضبون إلى أن الأرض التي رفضت الاستسلام في الثلاثينيات بشعار “ننتصر أو نموت”، ترفض اليوم أن تدنس بدماء من خانوا العهد، مذكرين بأن فرنسا حاولت سابقا إقامة هذا النصب، لكنها جوبهت برفض شعبي قاطع لأن “الأرض الطاهرة لا تقبل الخونة”.

وأمام هذا الوضع، رفع المحتجون لائحة مطالب مستعجلة للدولة المغربية، داعين المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير إلى الخروج عن صمتها وتحمل مسؤوليتها في “ترميم مقابر الشهداء الحقيقيين”.

كما طالب الموقعون على العريضة بـ”مصالحة مجالية شاملة”، معتبرين أن المنطقة دفعت ثمن مقاومتها تهميشا وتفقيرا لعقود، وأن رد الاعتبار لا يكون باستيراد احتفالات أجنبية، بل بتنمية حقيقية تخلد ذكرى ملحمة بوغافر بما يليق بها من رمزية وطنية، ومحاسبة كل من تورط في الترخيص لهذا “العبث التاريخي” الذي ساوى بين المقاوم الذي دافع عن الوطن، والجندي الذي قبض الثمن لقتل أخيه.

مصدر الصورة

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا