في لحظة فكرية امتزج فيها عمق الثقافة برمزية المبادرة نظمت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، مساء الجمعة، اللقاء الثقافي المخصص لتقديم مؤلفها الجماعي الجديد “شروخ المعنى: كتابات ضد الفساد”؛ فيما رسَم محمد بنعليلو، رئيس هذه الهيئة الدستورية للحكامة، “معالم مقاربة جديدة تتجاوز الأطر التقليدية في محاربة الفساد، لتجعل من طرائق الفكر والأدب رافعتيْن أساسيتين في هذه المعركة الوطنية”.
أوضح بنعليلو أن اختيار فضاء المعهد الوطني العالي للموسيقى والفن الكوريغرافي بالرباط لاحتضان اللقاء يحمل “رمزية تؤكد أن معركة النزاهة هي معركة وعي وذوق وحسّ إنساني”، وانطلق في بسطه مضامين الكتاب من قناعاتِ “تجاوز النمطية” و”الإصغاء للعقل الجمعي”، مع ضمان تعدد الزوايا، نظراً ومعالَجة.
وقال المتحدث خلال اللقاء نفسه: “لم يكن الهدف إضافة تقرير جديد إلى الأرفف، أو استنساخ لغة المؤشرات الجافة والأدبيات المعيارية، بل الإصغاء إلى العقل الجمعي، حيث ثمّة قضايا لا تختزلها الأرقام، بل تحتاج إلى ملامسة ما لا يُرى ولا يُقاس مما يوجّه السلوك ويؤثر في القيم”.
وشدد رئيس “هيئة النزاهة” على “السعي نحو صياغة نظرة مُركّبة ومتحرّرة تجاه ظاهرة الفساد، بوصفها واحدة من أعقد الظواهر التي تخترق نسيج المجتمع”: من الاقتصاد إلى السياسة وعديد مناحي الحياة.
وشدد رئيس الهيئة، ضمن كلمته المطولة، على أن هذا العمل الجماعي هو محاولة جادة لـ “فتح نوافذ الفكر على واقع الفساد”؛ ومن هنا جاء إشراك نخبة من الكاتبات والكتاب المغاربة في هذه المهمة النبيلة، بحسبه، مردفا: “لقد سعيْنا إلى إشراك نخبة من الكاتبات والكتاب المغاربة لتفكيك هذه الظاهرة من مواقعهم المختلفة، وبأدواتهم التأملية والبلاغية والنقدية، التي تجمع بين التجربة الحياتية والرؤية الثقافية، وبين الكتابة الحرة والانخراط المواطن”.
وعن “أدوات التفكيك والمقاومة الرمزية” يرى بنعليلو أن المساهمات في هذا الكتاب تجاوزت كونها ترفاً فكرياً إلى “ضرورة معرفية وأخلاقية”.
ووفق ما أبرزه “دركي النزاهة” بالمملكة تميزت هذه المساهمات بـ”المقاومة بالكلمة”: استخدام التحليل والاستعارة والفكرة لنزع الغطاء عن الفساد وتفكيك “الحياد الزائف” الذي يُشرعِنه، كما استحضر معنى عنوان المؤلَّف “إحداث الشروخ”.
فكل نص هو محاولة لخرق “لغة التطبيع” و”هندسة الصمت” ومنطق “التواطؤ غير المعلن”، بتعبير بنعليلو الذي أكد تنوع المقاربات بتشكيل “فسيفساء فكرية” تعكس تعدد زوايا النظر وتحول الكتاب إلى مساحة حوار بين الذات والمجتمع.
في تقديمه لمضامين الكتاب الواقع في 123 صفحة من القطع المتوسط، بمساهمة 24 كاتبةً وكاتباً متعددي التخصصات الثقافية والأدبية،، بسَط بنعليلو رؤية الهيئة للفساد كظاهرةٍ “تتجاوز الاختلال التدبيري”، وتابع بأن المساهمات المتضمنة بين ثنايا المؤلّف الجماعي ترسّخ كون “الفساد سؤالا وجوديا: يتعلق بالعدالة والحق والمساواة والثقة، مِثلما أنه سؤال سياسي واقتصادي: يرتبط بممارسة السلطة وكيفية إنتاج الثروة وتقاسمها”، وصولاً إلى سؤال ثقافي “يبحث في معنى العيش المشترك داخل مجتمع عادل”.
وبناءً عليه يخلص رئيس الهيئة الدستورية إلى اعتبار أن النزاهة ليست مجرد قيمة معلّقة على الجدران، بل هي “شرط تأسيسي لمَعقوليّة الفعل العمومي ولعدالة المعنى داخل المجتمع”.
ختم رئيس الهيئة كلمته بالتأكيد على أن هذا الكتاب يعد “لبنة أساسية في صرح بناء خطاب وطني جديد حول النزاهة”، وأجمَل: “كتابٌ لا يكتفي بالحديث عن الفساد، بل هو كتاب يقرأُه الفساد نفسه ليدرك أن المجتمع لم يعد صامتاً”.
المعركة ضد الفساد، كما لخّصها بنعليلو، لا تُخاض بين ردهات المحاكم والنصوص القانونية وحدها، بل في “مجال الوعي العميق”، حيث تُعيد الثقافة ترتيب الأشياء في وجدان الناس، مشددا على وضع هذا المؤلف “رهن إشارة العموم والجمهور لتحفيز الفعل المشترك وتغذية الذاكرة الجماعية والنقاش العمومي ضد هذه الظاهرة”.
وبحسب ما طالعته جريدة هسبريس فإن مضامين هذا العمل الجماعي أثْراها نخبة من أبرز الكتاب والمفكرين والمبدعين المغاربة الذين قدّموا مقاربات نقدية وإبداعية وتأملية متنوعة لتفكيك ظاهرة الفساد، إذ شملت قائمة المساهمين كلاً من: عبد القادر الشاوي، وموليم العروسي، ومحمد نورالدين أفاية، وفريد الزاهي، وسعيد بنيس، إضافة إلى محمد أقضاض، وعبد الكريم جويطي، وأحمد الكبيري، والدكتورة ثريا ماجدولين، وعبد الجليل الوزاني التهامي؛ كما ساهم في صياغة رؤاهُ كل من العربي بنجلون، ويحيى بن الوليد، ومحمد مشبال، والحبيب الدائم ربي، وعبد السلام المساوي، وأحمد العمراوي، ومحمد أمنصور، والبشير الدامون. واكتملت هذه الفسيفساء الفكرية بمشاركات حبيب مزيني، وعبد العزيز كوكاس، وعبد الجواد الخنيفي، فضلا عن محمد المرابط، وموحا صواك وغيثة الخياط، ضمن ثلاثِ مساهمات باللغات الأجنبية.
ويشكل الكتاب وثيقة فكرية إستراتيجية تهدف إلى تعزيز النقاش المجتمعي الرصين حول ظاهرة الفساد ومسبباتها وآثارها المعطِّلة للتقدم. كما تجسد هذه المبادرة، التي تعد فاتحةَ مشاريع مستقبلية مماثلة، “انفتاحَ الهيئة على النخبة والمثقفين والفاعلين في الحقل الثقافي المغربي، سعياً منها إلى تحويل مكافحة الفساد إلى مشروع مجتمعي متكامل يزاوج بين الإجراءات القانونية وبين بناء مجتمع منيع أخلاقياً ومتشبع بقيم النزاهة”، حسب ما أبرزه اللقاء التقديمي وتابعته هسبريس.
المصدر:
هسبريس