آخر الأخبار

ليلة انكسار الجبل.. “العمق” تنقل القصة الكاملة لانهيار دوار اغبالو بإقليم شفشاون (فيديو وصور)

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

إعداد: محمد عادل التاطو/ تصوير: يونس الميموني

لم يكن فجر الخميس 5 فبراير 2026 يشبه أي فجر آخر في دوار أغبالو، التابع لجماعة تنقوب بإقليم شفشاون، فقد كان السكون يلف الجبل، وكانت البيوت الطينية والإسمنتية تستريح تحت أمطار ثقيلة لم تتوقف منذ أيام، غير أن أحدا لم يكن يتوقع أن يتحول هدير المطر إلى هدير صخور، وأن يتحول صوت الماء إلى ما يشبه دوي انفجارات متتالية تهز الجبل بأكمله.

في ذلك الفجر، لم يكن سكان دوار أغبالو يعلمون أن الجبل الذي عاشوا في كنفه لعقود سيغير وجهه إلى الأبد، فالأمر لم يكن حينها مجرد عاصفة عابرة، ولا أمطارا موسمية ثقيلة فحسب، بل كان صوتا يشبه الانفجارات، ثم ارتجاجات عميقة، ثم صمتا خاطفا قبل أن تبدأ الأرض في الانزلاق.

ففي حوالي الثانية والنصف صباحا، بدأت الأرض تتحرك، وانطلقت الصخور من أعالي الجبل كأنها قذائف، والتربة المشبعة بالمياه فقدت تماسكها، وانزلقت في موجات جارفة جرفت معها بيوتا، ومساجد، وأحلاما كانت تنتظر الصباح، فلم يكن الأمر مجرد انجراف تربة، بل كان انكسار جبل بكامله.

حين وصلت جريدة “العمق المغربي” إلى عين المكان بعد 6 أيام من الفاجعة، لم تجد قرية متضررة، بل وجدنا جغرافيا جديدة، فالمنازل هُدمت وطُمرت، والممرات اختفت، والمعالم تغيرت، وتبدلت تضاريس الدوار كما لو أن زلزالا أعاد رسم حدوده، وحتى السكان أنفسهم كانوا يتساءلون: “فاين مشا الدوار ديالنا؟”.

وحتى الطريق الجهوية رقم 410 التي تؤدي إلى الدوار انطلاقا من شفشاون وتصل حتى القصر الكبير، تغيرت معالمها وتوقفت حركة المرور فيها تماما، حيث وجد طاقم “العمق” صعوبة كبيرة في الوصول إلى الدوار بفعل كثرة الانهيارات، ما اضطر سيارة الجريدة إلى التوقف مرارا والنزوح عن الطريق بشكل حذر من أجل تجاوز الانهيارات.

70 منزلا تحت الركام.. ومسجدان بلا أثر

المعطيات التي جمعناها من عين المكان تؤكد أن عدد المنازل المنهارة ارتفع إلى 70 منزلا، إضافة إلى المسجدين الوحيدين بالدوار اللذين دُمرا بالكامل ومُسحت معالمها بشكل كلي.

بعض البيوت سقطت دفعة واحدة، وبعضها ابتلعته التربة في صمت، ولم يبق منه سوى أطراف جدران مكسورة تظهر من تحت الوحل، فيما لا تزال مساكن أخرى تقاوم الانجرافات والسيول، وسط انهيارات جزئية لا تتوقف.

في أعالي الدوار، حاولنا الوصول إلى موقع المسجد الرئيسي، فالطريق إليه لم تعد موجودة، بل تحولت إلى مجرى سيول جديد شق الأرض في اتجاه السفح.

مصدر الصورة

حين بلغنا المكان، لم نجد مئذنة، ولا محرابا، ولا حتى بقايا سقف، المسجد جرفته الانهيارات عشرات الأمتار، وتفتتت حجارته عند أسفل الجبل كأنها شظايا ذاكرة.

المشهد هناك لا يشبه فيضانات موسمية، بل يشبه قرية مرت عليها قوة أعادت ترتيب كل شيء، فالدوار الذي كان مستقرا على الجبل، صار جزءا من سفح متحرك، لا يُؤمَن جانبه.

انهيارات لا تتوقف

طيلة فترة تصوير الروبورتاج، لم يكن الخطر مجرد ذكرى لليلة الخميس-الجمعة السوداء، بل كان يرافق خطواتنا داخل ما تبقى من الدوار، إذ كانت أصوات الصخور المتساقطة تتردد بين الحين والآخر، كتحذير مستمر بأن الجبل لم يهدأ بعد.

أكثر من مرة اضطررنا إلى إيقاف التصوير وتغيير مواقعنا بعدما شاهدنا انهيارات صخرية جديدة، وهو نفس الوضع الذي اعترانا أثناء معاينة منازل متضررة جزئيا، حيث كان تساقط بعض الجدران يجبرنا على الجري خارج تلك المنازل حماية لأرواحنا.

في وسط هذا الدوار، عاينا منازل متشققة تتهاوى تدريجيا: جدار يسقط، ثم جزء من سقف، ثم صمت قصير يعقبه ارتطام جديد، كما أن المياه كانت تخرج من جدران المنازل ومن تحت فنائها.

مصدر الصورة

فالأرض تحت الأقدام لم تكن مستقرة، والسيول ما تزال تشق مسارات جديدة، محفورة بعنف داخل المسالك الجبلية بل وحتى وسط بعض البيوت الطينية، لتؤكد لنا أن الأرض هنا مشبعة بالمياه وقد تنجرف في أي لحظة.

كان واضحا أن ما حدث ليس لحظة عابرة، بل عملية انهيار متواصلة، أعادت تشكيل تضاريس المكان، كأن الطبيعة قررت فجأة إعادة رسم الخريطة من جديد. “لكنه قدر الله تعالى وهذا أمره”، هكذا يُجمع كل من التقيناهم من السكان على وصف الفاجعة.

“استفقنا على دوار آخر”

في أحد المنعطفات، وقف شاب من أبناء المنطقة ينظر إلى الفراغ الذي كان يوما يشكل “الحومة” التي تسكنها عائلته، وقال في حديثه لـ”العمق” بصوت مبحوح: “فقنا فالصباح على دوار آخر. ماشي هو اللي كنا عايشين فيه منذ عقود. كأن الدوار اللي تربينا فيه تمسح من الأرض”.

فالإحساس لم يكن فقط فقدان بيت، بل فقدان مكان كامل، بذاكرته وتفاصيله وروائحه وأصواته، بل وحتى كبار السن، الذين اعتادوا قسوة الجبل وتقلباته، أكدوا أنهم لم يشهدوا شيئا مماثلا طيلة حياتهم.

رب أسرة جلس على حجر قرب ركام ممتد أمامه، وأخبرنا أن منازله الثلاثة انهارت في ساعات، بيت كان يؤوي أسرته، وآخر مصدر رزقه، وثالث كان وعدا بمستقبل ابنه، صارت كلها في لحظة واحدة جزءا من جبل منهار.

كان صوته ثابتا، لكن عينيه كانتا تحكيان قصة أخرى، قائلا في حديثه لـ”العمق”: “هاذي لي حداكم الدار ديالي طاحت، والدار لي حداها ديال الماشية حتى هي طاحت، وحتى الدار الجديدة اللي بنيتها لولدي باش نزوجو طاحت”.

مصدر الصورة

وللمفارقة أن الكارثة وقعت بعد مؤشرات أولى تلقاها السكان بسرعة وغادروا منازلهم قبل الانهيارات، فأحد شباب الدوار أخبرنا أن انهيارات محدودة في أعلى الجبل سبقت الكارثة بساعات قليلة، كأنها إشارات إلى السكان من أجل إخلاء القرية لإنقاذ أرواحهم.

يقول عبد المغيث لـ”العمق”: “سمعنا صوت انهيارات صخرية فراس الجبل، والحجار هابط من الفوق، وفهمنا باللي كاين شي حاجة غتوقع، وكأن الطبيعة عطات لنا إشارات، لذلك خرجنا من ديورنا بسرعة قبل ما توقع الكارثة”، مؤكدا أن قرار الإخلاء المبكر كان الفارق بين كارثة مادية وفاجعة إنسانية.

رب أسرة آخر أوضح لـ”العمق” أن الخوف صار يسكن الجدران المتبقية، وأن أبناءه يرفضون العودة لمنازلهم: قائلا: “الوليدات كيقولوا ما غايرجعوشي لهنا، ديك الرعب ما نساواهشي، حتى الديور اللي بقات واقفة، ما بقيناشي كنثيقوا فيها”.

نساء وأطفال بمراكز إيواء.. ورجال يحرسون الركام

نحو 80 في المائة من سكان الدوار جرى إجلاؤهم إلى مراكز بتنقوب، وفق رئيس الجماعة، يوسف السيمو، مشيرا إلى أن النازحين تم إيوائهم في دار الطالب والطالبة ودار الأمومة بتنقوب، فيما توجه آخرون إلى أقاربهم بشفشاون وتطوان وطنجة ودواوير أخرى محاورة.

ويؤكد السيمو في تصريحه لجريدة “العمق” من عين المكان، أن عملية الإجلاء تمت بتنسيق بين السلطات المحلية والدرك الملكي والقوات المساعدة، بإشراف مباشرة من عامل إقليم شفشاون وبدعم من الساكنة، ما جنب تسجيل خسائر في الأرواح.

ووفق ما عاينته “العمق”، فإن معظم النساء والأطفال تم نقلهم إلى مراكز الإيواء أو إلى أقاربهم في دواوير مجاورة، فيما بقي عدد كبير من الرجال والشباب قرب الدوار يتجمعون عند مقهى لم تتضرر على الطريق المنهارة، كأنها أصبحت “مركز عملياتهم” خلال أيام الفاجعة.

مصدر الصورة

يقول أحد الآباء في حديث للجريدة: “ديت مراتي وولادي لدار الطالبة، وأنا باقي هنا مع رجال الدوار مجموعين هنا كنستناو شنو غايوقع”، مردفا: “ما بقيناشي كنعسوا، هنا كنبقاو فهاذ القهوة، ومرة مرة كنمشيو لديورنا لي ماطاحتشي باش نخرجوا بعض الأثاث”.

وخلال جولتها بالدوار المدمر، عاينت “العمق” قيام شباب المنطقة بمحاولة إخراج حيوانات عالقة وسط السيول والأوحال، ونقلها إلى إسطبلات وفرتها السلطات أو وضعها السكان رهن الإشارة، وسط توافد بعض المساعدات إلى المنطقة.

منطقة شبه منكوبة

رئيس جماعة تنقوب، يوسف السيمو، وصف في حديثه لـ”العمق”، دوار اغبالو بأنه أصبح “منطقة شبه منكوبة”، مشيرا إلى أن الكارثة أدت في البداية إلى انهيار 30 منزلا ومسجدين، قبل أن يرتفع العدد مع مرور الأيام إلى 70 منزلا.

وأوضح السيمو أن عمليات الإخلاء شملت “الحومة” العليا والوسطى للدوار، مشيرا إلى أن عملية الإجلاء كانت استباقية بعدما تم نقل العائلات قبل تفاقم انجراف التربة، مردفا: “الحمد لله، لا توجد إصابات في صفوف السكان، كما لم يتم تسجيل نفوق أي من الماشية”.

مصدر الصورة

وأضاف المسؤول المُنتخب أن السلطات تواكب العائلات المتواجدة في مراكز الإيواء، وتوفر الإطعام والأغطية وغيرها، مشددا على أن ما حدث “كارثة طبيعية فوق طاقة جميع مؤسسات الدولة”، مضيفا: “نسأل الله أن يخفف عنا ما وقع”.

وبخصوص الطريق الجهوية رقم 410، شريان الحياة الوحيد لدوار اغبالو، فقد أصبحت مقطوعة تماما بسبب الانهيارات العميقة التي طالتها وتسببت في قطعها تماما على مستوى الدوار، مع نقاط سوداء عديدة على طولها من الجانبين، تاركة فجوة عميقة تشبه جرحا مفتوحا.

ويعد دوار أغبالو الأكثر تضررا، لكنه ليس الوحيد الذي اختبر قسوة هذه الأمطار غير المسبوقة، فوفق معطيات رسمية حصلت عليها “العمق”، فإن أزيد من 100 دوار تضرر بإقليم شفشاون بفعل الأمطار الغزيرة والسيول والانهيارات الصخرية وانجرافات التربة.

وتشير معطيات الجريدة إلى أن عدد المساكن المتضررة في إقليم شفشاون يتجاوز 700 مسكن، ما بين انهيار كلي وجزئي، فيما تم إجلاء حوالي 2000 شخص، عبر مختلف مناطق الإقليم، وسط استمرار تدفق المساعدات بين الحين والآخر إلى الدواوير المنكوبة.

ويطرح ما وقع بدوار اغبالو أسئلة أعمق حول هشاشة البناء في المناطق الجبلية، ومدى استعداد الدواوير لمواجهة تساقطات استثنائية أصبحت تتكرر بوتيرة أكبر، فالتربة المشبعة بالمياه، والبناء غير المدعم، والانحدار الحاد للسفوح، كلها عوامل اجتمعت في لحظة واحدة، لتُحول الأمطار من نعمة إلى تهديد وجودي.

ورغم أن كل السكان الذين التقتهم “العمق” بدوار اغبالو يؤكدون برضًى تام أن ما وقع “قدر الله”، لكنهم يتساءلون: “كيف سيُبنى الدوار من جديد.. وعلى أي أرض؟”، مشيرين إلى أنهم ينتظرون من السلطات إيجاد حلول تقيهم التشرد، آملين في بناء مساكن جديدة وآمنة تجمعهم بأسرهم مجددا.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا