آخر الأخبار

شطحات العسكر الجزائري قرب واحة إيش.. هل اشتاق حكام قصر المرادية لعبارة حكرونا المراركة من جديد؟

شارك

هبة بريس – ياسين الضميري

عادت التحركات العسكرية الجزائرية قرب واحة إيش لتثير الكثير من علامات الاستفهام حول خلفياتها السياسية ودلالاتها الاستراتيجية، فكلما اعتقد المتابعون أن منسوب التوتر انخفض، برزت على الأرض مؤشرات جديدة تعيد النقاش إلى الواجهة.

الأمر لا يتعلق بحادث معزول أو تحرك روتيني، بل بسلوك أرعن يتكرر في توقيت حساس إقليميا، ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق تتجاوز الظاهر إلى ما وراء الرسائل غير المعلنة.

اللافت أن هذه الاستفزازات تأتي في سياق تعرف فيه المنطقة المغاربية تحديات اقتصادية واجتماعية و سياسية، تحتاج إلى مناخ تهدئة وتعاون لا إلى استعراضات عسكرية.

غير أن منطق المؤسسة العسكرية في الجزائر يبدو، مرة أخرى، محكوما بهاجس إبقاء المنطقة مشتعلة سياسيا وإعلاميا، فحين تضيق مساحات المناورة داخليا، يصبح الخارج متنفسا جاهزا لتصدير التوتر وصناعة إجماع ظرفي قائم على التخويف والتعبئة.

في المقابل، يختار المغرب نهجا رزينا و حكيما يقوم على ضبط النفس وتفادي الانجرار إلى أي احتكاك قد يتطور إلى ما لا تحمد عقباه، هذا السلوك ليس وليد اللحظة، بل يعكس عقيدة دولة خبرت كلفة المواجهات المباشرة، وتعي أن أي رصاصة طائشة قد تفتح بابا يصعب إغلاقه.

حقن الدماء ليس شعارا للاستهلاك، بل قرار سيادي يستحضر مصلحة الشعوب قبل حسابات الاستعراض، في بلد تحكمه مؤسسات لها من الخبرة و الحنكة و روح المسؤولية ما يجعلها تأخد القرار الأصح في الوقت الصحيح و ليس دولة تحكمها عصابات و ميليشيات لا تهمها أرواح شعبها و لا أي شيء مادامت طائرة واحدة قادرة على نقلها من بؤرة التوثر في لحظة الحقيقة و ترك الشعب يواجه مصيره المحتوم.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا تريد دوائر القرار في قصر المرادية؟ هل نحن أمام رسائل موجهة إلى الداخل قبل الخارج؟ أم أمام محاولة لإعادة إنتاج سردية قديمة تعود إلى ستينيات القرن الماضي، حين شكلت حرب الرمال محطة مفصلية في الوعي السياسي للمنطقة؟ تلك الحرب التي ما تزال تفاصيلها راسخة في الذاكرة، والتي خرجت منها الجزائر بجرح نفسي عميق لخصته عبارة ترددت آنذاك في الشارع الجزائري مفادها “حكرونا المراركة”.

استحضار تلك العبارة اليوم ليس للتشفي ولا لإحياء الأحقاد، بل للتذكير بأن المغامرات غير المحسوبة لا تصنع توازنا جديدا، التاريخ يعلمنا أن من يغامر دون تقدير دقيق للعواقب قد يجد نفسه أمام نتائج معاكسة تماما لما خطط له، فهل اشتاق حكام قصر المرادية فعلا إلى إعادة اختبار معادلات الماضي؟ أم أن الرهان هو فقط على جر المغرب إلى رد فعل يبرر تصعيدا أكبر؟

الثابت أن الرباط تدرك أن القوة لا تقاس فقط بالتحركات الميدانية، بل أيضا بالقدرة على التحكم في الإيقاع، ضبط النفس في لحظات التوتر يعكس ثقة في الذات وفي تماسك الجبهة الداخلية، كما أن المغرب، المنخرط في مسارات تنموية ودبلوماسية متعددة، لا يرى في التصعيد العسكري خيارا يخدم مصالحه الاستراتيجية، خاصة في بيئة إقليمية مضطربة، لكن يضع دائما في أجندته أن لكل فعل رد فعل.

في نهاية المطاف، تبقى المنطقة المغاربية في حاجة إلى منطق الدولة لا منطق الثكنة، وإلى عقل بارد لا إلى أعصاب مشدودة، الاستفزاز قد يخلق ضجيجا لحظيا، لكنه لا يبني مستقبلا، الرهان الحقيقي اليوم ليس في اختبار صبر الآخر، بل في من يمتلك الشجاعة لطي صفحة التوتر وفتح أفق عقلاني يخدم استقرار الشعوب قبل حسابات الأنظمة.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا