آخر الأخبار

من الأمم المتحدة إلى واشنطن .. تحول حاسم في قضية الصحراء المغربية

شارك

دخلت قضية الصحراء المغربية مرحلة “الحسم السياسي” بعد محطة مدريد، التي كشفت عن انتقال مركز ثقل التدبير من الأروقة الأممية التقليدية، في نيويورك، إلى القيادة الأمريكية المباشرة بواشنطن.

فبين تصريحات مسعد بولس التي تؤكد التزام إدارة ترامب بحل عادل ودائم، وبين جلوس الأطراف الأربعة إلى طاولة المفاوضات في العاصمة الإسبانية، تتشكل ملامح خارطة طريق تقنية قوامها “الحكم الذاتي” ولا شيء غيره.

وقال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، إن الولايات المتحدة الأمريكية، تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، تواصل التزامها بدعم حلٍّ عادل ودائم ومقبول من جميع أطراف النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.

وجاء موقف المسؤول الأمريكي في تدوينة نشرها على حسابه الرسمي بمنصة “إكس”، علّق من خلالها على الإعلان الصادر عن واشنطن بشأن رعايتها للمشاورات التي احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد، بمشاركة أطراف النزاع وبرعاية مشتركة أمريكية وأممية.

مرحلة جديدة

قال الموساوي العجلاوي، الأستاذ الباحث بمركز إفريقيا والشرق الأوسط الخبير في العلاقات الدولية، إنه مهما يكن من تفسير للتصريحات الصادرة هنا وهناك، ومهما تكن القراءات لما جرى في مدريد أول أمس، فإن المؤكد هو أن نزاع الصحراء الإقليمي دخل بالفعل منعطفا ومرحلة جديدين.

وأوضح العجلاوي، ضمن تصريح لهسبريس، أن الأمر يتعلق بـمرحلة جديدة في مسار حل هذا النزاع الإقليمي، قائمة على الحل السياسي المبني على مبادرة الحكم الذاتي، بصيغتها الموسعة والمحيّنة والمفصّلة. واعتبر أن هناك، أولا، تقدما في مبادرة الحكم الذاتي نفسها وفي أفق تطبيقها، مما يؤشر على دخول نزاع الصحراء منعطفا جديدا، مضيفا أن كل المراحل السابقة قد استنفدت، والآن نحن أمام أفق دبلوماسي وسياسي جديد للنزاع.

وأشار المتحدث إلى أن هذا الأفق الجديد يقوم من جهة على أسبقية وأولوية مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها شكلا من أشكال تقرير المصير، ومن جهة ثانية على أن الأطراف المعنية لم تعد تقتصر على طرفين فقط، بل أصبحت أربعة أطراف. كما توقف عند مسألة قيادة هذا المسار، موضحا أن بولس وممثل الأمم المتحدة في مجلس الأمن، اللذين قادا النقاش إلى مدريد، أكدا على الدور المحوري للولايات المتحدة الأمريكية، غير أن ذلك تزامن في الآن نفسه مع حضور دي ميستورا، والإشارة الواضحة إلى القرار 2799، واعتبار لقاء مدريد محطة لتطبيق هذا القرار.

بناء على ذلك، يرى العجلاوي أننا أمام مرحلة جديدة بالفعل، مبرزا أن بعض الصحافة وبعض المراقبين أثاروا تساؤلات حول بعض تصريحات بولس التي بدت غير واضحة. غير أنه اعتبر أن بولس كُلّف عمليا بلعب دور مدّ الجسور مع النظام الجزائري، وهو ما يفسر، حسب قوله، تلك التصريحات التي تحاول دائما إبقاء الجزائر مندمجة في المرحلة المقبلة.

وأضاف أن المرحلة القادمة قوامها مبادرة الحكم الذاتي، مبرزا أنه توجد حاليا خارطة طريق تقنية يُشتغل عليها من طرف فريق مكلّف بذلك، مع وجود أفق زمني لهذه الخارطة في حدود شهري ماي أو يونيو، قصد تبني هذا الحل داخل مجلس الأمن. كما أشار إلى أن أفق شهر أكتوبر المقبل سيكون بدوره محطة لإصدار قرار جديد، سيتناول أولا المقترح المغربي الجديد، كما سيتطرق أيضا إلى مصير بعثة المينورسو.

واعتبر العجلاوي هذه التطورات بالنسبة للمغرب إيجابية جدا، مبرزا في المقابل أن مواقف جبهة البوليساريو تعكس قدرا من الإحباط والانهزامية. واستحضر في هذا السياق مقالا نشره البشير مصطفى السيد، المكلف بمهمة مستشار سياسي لدى زعيم البوليساريو، بتاريخ 8 فبراير، على موقع “المستقلة للأنباء”، يحمّل بشكل غير مباشر المسؤولية للنظام الجزائري.

وأوضح أن ذلك يرتبط بكون بولس زار الجزائر يوم 27 يناير، حيث التقى بالرئيس الجزائري وبوزير الخارجية عطاف، كما التقى بوزير المحروقات، مبرزا أن الولايات المتحدة، رغم اعتراف إدارة ترامب بسيادة المغرب على الصحراء، تشتغل على أساس أن الجزائر هي أصل الإشكال في النزاع الإقليمي. ولذلك، يضيف العجلاوي، تُصر واشنطن على إبقاء الجزائر على طاولة المفاوضات، في إطار سياسة تجمع بين العصا والجزرة.

وختم المحلل السياسي ذاته بالقول إن بولس يضطلع بدور تقديم “الجزرة” للنظام الجزائري، سواء من خلال تليين بعض التصريحات أو عبر الإيحاء بتقارب في قراءة المشهد الإقليمي، إضافة إلى طرح مشاريع استثمارات مالية ضخمة، خصوصا في مجال النفط الصخري بالجزائر. واعتبر أن هذا كله يفسر الطابع الملتبس أو غير الصريح لبعض تصريحاته بين الحين والآخر، مؤكدا في الختام أن هناك دينامية جديدة تتشكل بوضوح في هذا الملف.

عجز بنيوي أممي

قال لحسن أقرطيط، باحث في العلاقات الدولية، إن “هناك اليوم إقرارا دوليا بعجز منظمة الأمم المتحدة عن استيعاب المتغيرات الدولية الراهنة”.

وأوضح أقرطيط، ضمن تصريح لهسبريس، أن “المهام التي أُسندت إلى المنظمة الأممية بعد الحرب العالمية الثانية تمثلت أساسا في إدارة الملفات المرتبطة بالأمن والسلم الدوليين”، غير أن هذه المنظمة التي أفرزتها موازين القوى عقب الحرب العالمية الثانية، التي حكمت عملها وأداءها إلى غاية بداية القرن الواحد والعشرين، أصبحت اليوم، في تقديره، “متجاوزة”.

وأرجع ذلك إلى التحولات الجيو-سياسية والجيو-ستراتيجية العميقة التي عرفها العالم، والتي أثرت بشكل مباشر على موازين القوى الدولية، وهو ما خلق، حسب تعبيره، “وضعا من الإرباك داخل أجهزة منظمة الأمم المتحدة، وخصوصا داخل مجلس الأمن”. وأبرز أن حالة “البلوكاج” التي يعيشها مجلس الأمن اليوم تعود أساسا إلى الآليات التي يشتغل بها، والتي لم تعد تسمح بحلحلة النزاعات والحروب.

وأضاف أن وجود خمس دول دائمة العضوية تمتلك حق “الفيتو”، وفي الآن نفسه، عدم انعكاس هذه التركيبة لموازين القوى الدولية الحالية، يؤدي إلى تعطيل عمل منظمة الأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن. واعتبر أن العجز الهيكلي والبنيوي الذي تعاني منه المنظمة اليوم يتجسد بالأساس في تركيبة مجلس الأمن التي لم تعد تعكس موازين القوى الدولية الراهنة.

وفي هذا السياق، يبرز، بحسب أقرطيط، دور الولايات المتحدة الأمريكية كفاعل دولي رئيسي في حلحلة النزاعات. واستحضر في هذا الإطار تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه تمكن من حلحلة ثمانية نزاعات على الصعيد الدولي، قائلا إن “هذا التصريح يشكل إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة اتخذت قرارا استراتيجيا بتجاوز حالة التعطيل القائمة داخل بنية الأمم المتحدة”.

وأكد المتحدث أن الحضور الأمريكي القوي في مجال الوساطة بين الدول يتجلى اليوم في العديد من الملفات، من بينها النزاع الإقليمي حول مغربية الصحراء. ولفت إلى أن هذا النزاع كان يُعتبر من الاختصاص الحصري لمجلس الأمن، غير أن الاختراقات التي تحققت على مستوى هذا الملف تعود، في نظره، إلى الدور الحاسم الذي لعبته واشنطن من خلال الضغط على أطراف النزاع.

وأشار أقرطيط إلى أن الأمم المتحدة عجزت، خلال السنوات الأخيرة، عن إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات، رغم توصيات مجلس الأمن المتكررة في هذا الاتجاه. وبالتالي، فإن الاجتماع الذي انعقد بمدريد بحضور الأطراف الأربعة يعكس بوضوح الدور الفاعل والحاسم للولايات المتحدة، وقوة الضغط التي تتمتع بها.

وأوضح في هذا السياق أن هذه المفاوضات جرت داخل السفارة الأمريكية، أي فوق أرض أمريكية، كما أنها انعقدت في العاصمة الإسبانية مدريد، مبرزا أن البلدين، الولايات المتحدة وإسبانيا، ليسا محايدين، بحكم دعمهما الواضح لمقترح الحكم الذاتي. بل أكثر من ذلك، يضيف أقرطيط، تفيد التسريبات بأن الوثيقة التقنية الوحيدة التي طُرحت على طاولة النقاش هي وثيقة خطة الحكم الذاتي المغربية.

وبناء على ذلك، خلص الخبير في العلاقات الدولية إلى أن الدور الحاسم لواشنطن هو الذي دفع الجزائر إلى الحضور إلى طاولة المفاوضات، مشددا على أن اختيار مكان انعقاد هذه المفاوضات، الذي لا يمكن اعتباره محايدا، يعكس وجود موازين قوى تمكّن الولايات المتحدة من فرض الحل النهائي للنزاع الإقليمي حول مغربية الصحراء.

وختم أقرطيط بالقول إن “عودة الجزائر إلى طاولة المفاوضات تُعد إنجازا كبيرا لواشنطن، وفي الآن نفسه تبرز بشكل لا لبس فيه أن حضور الأمم المتحدة أصبح حضورا باهتا، وهو ما عكسه بوضوح لقاء مدريد”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا