في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يكن صيف سنة 2001 صيفا عاديا داخل مقر جريدة “الصحيفة” الأسبوعية. في لحظة واحدة، غادر الطاقم المؤسس دفة التحرير، وترك خلفه مؤسسة إعلامية بدت وكأنها فقدت فجأة بوصلتها. لم يكن الحدث مألوفا في التجارب الصحفية المغربية، حيث اعتادت الخلافات أن تدار داخل الغرف المغلقة، لا أن تنتهي باستقالة جماعية تضع مستقبل الجريدة برمته موضع سؤال.
في تلك اللحظة الحرجة، كما يروي الأستاذ الجامعي والصحفي السابق أحمد بوز ضمن برنامج “شهادات خارج النص” يبث على منصات “العمق المغربي” مساء كل ثلاثاء تحوّلت “الصحيفة” إلى ما يشبه سفينة في عرض البحر، بلا طاقم واضح، وبلا يقين حول إمكانية مواصلة الإبحار. التخمينات كانت سائدة، والسيناريو الأكثر تداولا حينها أن الجريدة وصلت إلى نهايتها الطبيعية.
لكن ما حدث لاحقا خالف كل التوقعات. فبدل الاستسلام لفكرة التوقف، تشكلت نواة جديدة داخل المؤسسة، أطلق عليها لاحقا “فريق الإنقاذ” فريق غير متجانس من حيث التجربة، جمع بين صحفيين شباب يخوضون أولى خطواتهم المهنية، وآخرين راكموا تجربة داخل الجريدة نفسها. كان الرهان بسيطا في ظاهره، ومعقدا في جوهره الاستمرار.
لم يكن الوقت في صالح الفريق الجديد. العدد الأخير صدر، وكان من المفترض أن تدخل الجريدة عطلتها الصيفية إلى غاية شتنبر. غير أن القرار كان مختلفا هذه المرة. صدر عدد جديد في غشت، ليس فقط لإرضاء السوق، بل لإرسال رسالة سياسية ومهنية في آن واحد: “الصحيفة” لم تمت.
داخل قاعة التحرير، بدأت عملية إعادة البناء. لم يكن الأمر سهلا، حسب ما جاء في شهادة بوز، فجريدة اعتاد قراؤها على خط تحريري معيّن، وأسماء صحفية وازنة، أصبحت تُصنع بأقلام جديدة، تحت ضغط الزمن وامتحان المصداقية. غير أن وجود عبد العزيز كوكاس، أحد عناصر الطاقم السابق، لعب دور “حلقة الوصل” بين مرحلتين، وساعد على تفادي القطيعة الكاملة مع هوية الجريدة.
في الخلفية، ظل سؤال الاستقالة الجماعية حاضرا. لماذا غادر الطاقم المؤسس؟ تعددت الروايات، بين من ربط الأمر بخلافات سياسية وتحريرية، ومن أعاده إلى الاحتقان الاجتماعي داخل المؤسسة، خاصة ما يتعلق بالأجور والفوارق بين النسختين العربية والفرنسية.
أحمد بوز، الذي لم يكن شاهدا مباشرا على تلك التفاصيل، اختار في كتابه “أوراق من زمن الصحافة” أن يترك الباب مفتوحا أمام كل الروايات، دون أن ينصّب نفسه قاضيا على مرحلة لم يعشها من الداخل.
ومع تشكل الفريق الجديد، لم يكن التحدي مهنيا فقط، بل معنويا أيضا. اتهامات “قتل الصحيفة” كانت تطفو على السطح، وحديث عن مؤامرة وانشقاق مخطط له سلفا. بالنسبة لفريق الإنقاذ، لم يكن النقاش في الأسباب أولوية، بل في النتيجة: مؤسسة قائمة، وجريدة يجب أن تصدر كل أسبوع، مهما كانت الخلفيات.
ومع مرور الأشهر، بدأت الجريدة تستعيد توازنها. المنافسة مع جرائد أخرى، خاصة “الأيام” و”لو جورنال”، تحوّلت إلى حافز مهني. كل عدد كان سباقا مع الزمن، وكل عنوان اختبارا للجرأة، وكل ملف محاولة لإثبات أن التجربة الجديدة ليست بديلا مؤقتا، بل مسارا قائما بذاته.
غير أن المعركة الأصعب لم تكن في التحرير، بل في التمويل. فالمبيعات، كما يقر بوز، لا تصنع وحدها نجاح الجريدة. الإشهار ظل نقطة ضعف مزمنة، خاصة بالنسبة لصحافة ناقدة لا تُجيد مداهنة الفاعلين الاقتصاديين. معادلة صعبة: كيف تنتقد من يمولك؟ وكيف تستمر دون أن تخسر استقلالك؟
وفي خضم هذا كله، حضرت علاقة الجريدة بالأمير مولاي هشام كواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل. لكن بوز يضع الأمور في سياقها: لم يكن الأمر ولاء ولا اصطفافا، بل تعاطيا صحفيا مع فاعل كان، في تلك المرحلة، مادة إعلامية بامتياز. الندوات، التصريحات، والمواقف غير المألوفة جعلت حضوره خبرا قائما بذاته، لا أكثر.
بعد أكثر من عقدين، تبدو تلك المرحلة، كما تُروى اليوم، لحظة تأسيس ثانية لـ”الصحيفة” مرحلة لم تُصنع باليقين، بل بالمغامرة، ولم تُبنَ على الاستقرار، بل على الرغبة في الاستمرار. شهادة تختزل زمنا كانت فيه الصحافة المغربية تمتحن حدودها، وتدفع كلفة استقلالها، عددا بعد عدد.
المصدر:
العمق