قال الخبير في الطاقة، أمين بنونة، إن الجدل المتزايد الذي تشهده الساحة الوطنية حول وضعية السدود ونسب ملئها، في سياق عودة التساقطات المطرية خلال شتاء 2026 وما رافقها من فيضانات خاصة بشمال المملكة بعد الأضرار التي عرفتها مدينة آسفي، أعاد إلى الواجهة سؤالا بنيويا يتعلق بتاريخ السدود بالمغرب ووظائفها الحقيقية، مشددا على أن المعطيات التاريخية والمؤسساتية المرتبطة بهذا الملف ظلت لسنوات طويلة متوفرة لكنها متفرقة وغير مجمعة في وثيقة تركيبية واحدة.
وأوضح بنونة، في تصريح لجريدة “العمق”، أن أول سد بالمغرب، وهو سد سيدي سعيد معاشو، دخل حيز الخدمة سنة 1929، وكان يوفر الماء والطاقة الكهرومائية، مشيرا إلى أنه إلى غاية سنة 1956 تم تشغيل 11 سدا إضافيا، في حين شهدت مرحلة ما بعد الاستقلال طفرة غير مسبوقة، حيث تم تشييد 141 سدا من أصل 153 سدا موجودا إلى حدود سنة 2025، أي ما يعادل 92 في المائة من مجموع السدود الحالية.
وأكد أن هذه السدود التي شيدت بعد الاستقلال تمثل لوحدها 91 في المائة من إجمالي حجم الحقينات المائية المقدرة بـ19.05 مليار متر مكعب، كما تمثل 84 في المائة من القدرة الكهرومائية المركبة، التي تبلغ حوالي 1105 ميغاواط.
واعتبر أن الحديث عن تاريخ السدود بالمغرب لا يمكن فصله عن تاريخ تدبير المياه السطحية والطاقة الكهرومائية، مع التأكيد على أن محطات الضخ والتخزين (STEP) لا تدخل ضمن هذا التحليل لأنها مستهلك صاف للماء والطاقة.
وبخصوص التوزيع المجالي، أوضح الخبير في الطاقة أن السدود تتوزع بشكل غير متكافئ بين الأحواض المائية، حيث يتصدر حوض سبو القائمة بـ27 سدا وبحجم تخزين يفوق 7146 مليون متر مكعب، يليه حوض أم الربيع بـ21 سدًا و5402 مليون متر مكعب، ثم حوض اللوكوس بـ18 سدا، في حين تضم بعض الأحواض سدودا دون أي إنتاج كهرومائي، مثل أبي رقراق–الشاوية وكير–زيز–غريس، إضافة إلى سد واحد فقط بحوض الساقية الحمراء–وادي الذهب.
وفي ما يتعلق باستخدامات السدود، شدد بنونة على أن الأرقام تؤكد بوضوح أن الوظيفة الأساسية للسدود المغربية لم تكن يوما إنتاج الكهرباء، موضحا أن 96 سدا موجهة كليا أو جزئيا للسقي، و30 سدا للتزويد بالماء الصالح للشرب والصناعة، بينما لا يتجاوز عدد السدود المرتبطة بالطاقة الكهرومائية 28 سدا، جزء منها فقط لا يزال ينتج الكهرباء فعليا.
وأضاف أن تصنيف السدود حسب حجم الحقينة يبرز وجود ثلاث فئات رئيسية، تشمل السدود الصغيرة ذات الحقينات التي تدور حول مليون متر مكعب، والسدود المتوسطة بحوالي 50 مليون متر مكعب، ثم السدود الكبرى التي تقارب 500 مليون متر مكعب.
وأشار إلى أنه من أصل 153 سدًا لا تتوفر سوى 21 منشأة على إنتاج كهرومائي فعلي، بسبب تقادم بعضها أو بسبب إعطاء الأولوية لتزويد السكان والمجالات الفلاحية بالماء.
أسطورة الاكتفاء الكهرومائي
وفي تقييمه لدور الطاقة الكهرومائية، أوضح أمين بنونة أن الأرقام تدحض الاعتقاد السائد بإمكانية اعتماد المغرب على هذا المصدر لتغطية حاجياته الطاقية.
وكشف أنه حتى في حالة افتراضية يتم فيها تمرير حجم الحقينة الكامل عبر التوربينات، فإن الإنتاج السنوي لن يتجاوز 3000 غيغاواط/ساعة، أي ما يعادل بالكاد 6.5 في المائة من الطلب الوطني على الكهرباء سنة 2025، مضيفًا أنه حتى لو اشتغلت جميع التوربينات طيلة السنة فلن تتجاوز المساهمة 20 في المائة من الطلب.
وسجل أن حصة الطاقة الكهرومائية في الإنتاج الكهربائي الوطني تراجعت منذ سنة 2019 إلى أقل من 5 في المائة، بسبب توالي سنوات الجفاف، مبرزا أن الفترة الممتدة بين 1939 و1965، التي شهدت وفرة مطرية استثنائية، رسخت لدى الأجيال السابقة ما وصفه بـ”أسطورة الاكتفاء الكهرومائي”، وهي أسطورة لم تعد قائمة في السياق المناخي الراهن.
وعلى مستوى العلاقة بين السدود والنمو الديمغرافي، أوضح بنونة أن نصيب الفرد من المياه السطحية المخزنة استقر منذ حوالي ثلاثين سنة بين 480 و560 مترا مكعبا، وهو مستوى يوازي عتبة الإجهاد المائي.
واعتبر أن هذا لا يعني غياب الخطر، بل يبرز قدرة السدود فقط على امتصاص الصدمات خلال السنوات الممطرة، مقابل ضرورة تحسين حكامة الاستهلاك، والرفع من نجاعة الشبكات، واللجوء إلى تحلية مياه البحر.
وفي سياق الفيضانات الأخيرة، أكد الخبير في الطاقة أن السدود، خصوصا تلك المجهزة بتوربينات، تلعب دورا أساسيا في الحد من المخاطر، مستشهدا بحالة سد وادي المخازن، الذي سمح التفريغ الاستباقي لمياهه خلال فبراير 2026 بتقليص الأضرار بمدينة القصر الكبير، مذكرا في هذا السياق بكارثة درنة الليبية سنة 2023 كنموذج لما قد يحدث في غياب تدبير محكم للسدود.
وختم أمين بنونة تصريحه بالتأكيد على أن المغرب مطالب اليوم بتجاوز الرهان على الطاقة الكهرومائية كحل استراتيجي، في ظل توقعات مناخية لا تبشر بتحسن دائم في التساقطات.
وشدد على أن المستقبل الطاقي للمملكة يمر عبر تسريع الاستثمار في الطاقة الشمسية والريحية، مدعومة بحلول التخزين، خاصة وأن هذه المصادر أصبحت الأقل كلفة، في وقت تستنزف فيه الفاتورة الطاقية موارد البلاد من العملة الصعبة.
المصدر:
العمق