شهد المؤتمر الوطني الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار الذي انعقد نهاية الأسبوع الماضي بالجديدة لحظة سياسية وصفها متتبعون بالفارقة، تمثلت في الخطاب الذي ألقاه عزيز أخنوش معلنا فيه عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس الحزب.
وبحسب مراقبين، فإن الخطاب لم يتخذ طابعا وداعيا بروتوكوليا فحسب، بل جاء بمثابة “جرد حساب” سياسي وتنظيمي استعرض مسار الحزب منذ عام 2016. وقد ركز أخنوش في سرديته على تقديم التحول الذي عرفه التنظيم ليس كنتاج لحظة انتخابية، بل كثمرة لمسار طويل من الهيكلة والمأسسة والعمل الميداني، محاولا ترسيخ فكرة انتقال الحزب من منطق الحملات الظرفية إلى الاشتغال المستدام.
وفي الشق المتعلق بالتدبير العمومي، دافع أخنوش عن حصيلة ولايته الحكومية بلغة جمعت بين التبرير والواقعية في ظل سياق دولي ووطني وصفه بالصعب. واعتبر أن الحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكبرى كان ضرورة لضمان استدامة الأوراش الاجتماعية، مستعرضا مشاريع تعميم الحماية الاجتماعية والدعم المباشر كتحولات بنيوية تمت تحت التوجيهات الملكية. وقد سعى من خلال هذا الطرح إلى التأكيد على أن المنجز الحكومي هو جزء من رؤية سياسية شاملة، وليس مجرد تدبير تقني للأزمات.
واختتم أخنوش هذه المحطة بتكريس رسالة سياسية مفادها رفض “الخلود في الزعامة”، مقدما خروجه الطوعي وهو في موقع القوة وهو ما اعتبره محللون تمرينا ديمقراطيا يهدف إلى مأسسة التداول داخل الهيئات الحزبية. داعيا في الوقت نفسه إلى دعم القيادة الجديدة لمواجهة استحقاقات 2026.
وحول هذا الخطاب، يرى الدكتور مصطفى يحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية، أن الخطاب الأخير لعزيز أخنوش لم يكن عاديا، بل حمل دلالات عميقة بدءاً من شكله وصولا إلى مضمونه. ويشير الأكاديمي المغربي إلى أن “الزعيم” تعمد تجنب الارتجال والتهجي، مفضلاً القراءة المتأنية لنص كُتبت كل كلمة وجملة فيه بعناية فائقة، مشحونة بفصاحة لغوية تؤكد دقة الرسائل المراد إيصالها.
وفي تفكيكه لمضامين الخطاب، لاحظ يحياوي في تصريح لجريدة “العمق” أن لغة أخنوش جمعت بين نقيضين: مشاعر الفخر والاعتزاز بالمنجزات، ومشاعر الحسرة والخيبة. واعتبر يحياوي أن أخنوش بدا وكأنه يلقي “خطبة الوداع”، حاملاً معه خلاصات تجربة سياسية “صعبة” اتسمت، من جهة، بالمثابرة في كسب رهان مواجهة الأزمات المتتالية التي عصفت بالمغرب خلال السنوات الخمس الأخيرة، ومن جهة أخرى، بمرارة العجز عن إقناع شريحة واسعة من مجتمع لا ينظر للفاعل الحزبي بعين الثقة، ولا يعترف له بالجميل.
وخلص أستاذ الجغرافيا السياسية إلى استنتاج حول تقدير المساحة الزمنية في ممارسة السلطة الاعتبارية في إطار الولاية الانتدابية للسياسي الحزبي، واصفا السياسي بأنه في نهاية المطاف “مجرد ضيف عابر” يمارس السلطة للحظة، ثم عليه أن يغادر تاركا المكان لمن بعده، وفق منطق “مرّ من هنا”.
وشبه يحياوي حالة أخنوش بمن سبقوه من المسؤولين الذين لم ينصفهم التاريخ إلا بعد زوال حكمهم، وعبر شهادات تفتقر للتوثيق الجدي، لتبقى تجربتهم مجرد ذكريات في أرشيف الزمن السياسي.
المصدر:
العمق