آخر الأخبار

“المسيرة الكحلاء”.. نصف قرن على جرح لم يندمل وصرخة مغاربة هجروا قسرا من الجزائر يوم العيد

شارك

في الثامن من دجنبر 1975، عاش عشرات الآلاف من المغاربة واحدة من أكثر الصفحات إيلاما في تاريخ المنطقة المغاربية، حين قررت السلطات الجزائرية يوم عيد الأضحى تنفيذ عملية تهجير جماعي قسري ضدهم، كرد فعل على نجاح المسيرة الخضراء، حيث أطلق الرئيس الجزائري آنذاك الهواري بومدين على هذه العملية اسم “المسيرة الكحلاء”، واصفا إياها بـ”مسيرة الدموع نحو المغرب”، إذ لم يكن هذا القرار مجرد إجراء إداري، بل اقتلاع جماعي للجذور الإنسانية، ترك ندوبا لم تندمل بعد نصف قرن.

ومن بين هؤلاء الضحايا، عائلة حميد العاطي الله، الذي كان طفلا حينها، ويشغل اليوم منصب رئيس جمعية الدفاع عن المغاربة ضحايا التهجير القسري من الجزائر (ADMEA). شهادته تكشف تفاصيل مأساة إنسانية امتدت من لحظة الاعتقال إلى رحلة الطرد، وصولا إلى معاناة الاستقرار في المغرب.

اقتلاع بلا رحمة

يقول حميد إن والده انتقل إلى الجزائر سنة 1934، حيث عمل لسنوات طويلة قبل استقلالها، إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1974. أما والدته، المزدادة بمدينة بني صاف، فهي مغربية تنتمي لأسرة قدمت خمسة شهداء في سبيل تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي، أبرزهم خاله محمد الزناسني الذي استشهد سنة 1958 بعدما أُجبر على حفر قبره بيده.

ورغم هذا التاريخ المشترك في الدم والتضحية، وجدت الأسرة نفسها أمام قرار قاس سنة 1975. حاولت السلطات الجزائرية فصل الأم عن أسرتها بدعوى انتمائها إلى “عائلة شهداء الثورة”، لكنها رفضت التخلي عن زوجها وأبنائها الستة، مفضلة الوفاء للأسرة على البقاء في أرض خانت دماء ذويها.

قبل تنفيذ عملية الطرد، سبقتها حملة تعبئة إعلامية ودينية، حيث سخرت السلطات بعض خطباء المساجد للتحريض ضد المغاربة ووصفهم بـ”الخونة”. أما والد حميد، فتعرض للضغط والابتزاز داخل مخفر الشرطة، حيث خير بين الاعتراف بجبهة البوليساريو أو دفع مساهمة مالية لدعمها مقابل السماح له بالبقاء، لكنه رفض قائلاً: “لن أساوم على وطنيتي ولا أشتري كرامتي بثمن.”

ويضيف حميد العاطي الله، داهمت قوات الأمن منزل الأسرة في غياب الأب المعتقل، واقتادت الأم وأطفالها نحو مركز الشرطة “شاتو 9” بمدينة وهران، حيث كان مئات المغاربة محتجزين في ظروف مهينة: حرمان من المراحيض، منع شراء الحليب للرضع، إهانات وتمييز عنصري، عدم إسعاف النساء الحوامل والمرضى، تصوير المطرودين بألواح أرقام، وسماع صرخات التعذيب في القبو.

رحلة صامتة وثقيلة

في 23 دجنبر 1975، نقلت الأسر المغربية في حافلات وشاحنات نحو المعبر الحدودي الجزائري العقيد لطفي، تحت حراسة أمنية مشددة. يصف حميد الرحلة قائلا: “كانت صامتة، لكن داخل كل واحد منا كان هناك ضجيج لا يحتمل، وحنين لا يطاق، وسؤال بلا جواب: لماذا يعامل الإنسان بهذه القسوة؟”

وعند الوصول، خضع الجميع لتفتيش دقيق، جردوا خلاله من الأموال والذهب والوثائق وحتى المعاطف التي تقيهم برد الشتاء، وسط ترديد عبارات مهينة: “دخلت للجزائر عريان تخرج عريان.”

بعد الوصول إلى المغرب، عاش المهجرون في خيام بمدينة وجدة، قبل توزيعهم على مدن مختلفة. استقرت عائلة حميد في فاس، حيث قضت سنة في “خيرية باب الخوخة” وسط ظروف صعبة، ثم سنتين في “خيرية باب الساكمة”، حيث اختلطوا بأشخاص في وضعيات نفسية حرجة، ما زاد من معاناتهم.

تشتت الأسرة من جديد داخل المغرب، إذ اضطرت الأم والأخت للعمل بأجور زهيدة، بينما بقي الأب بلا عمل بعدما فقد معاشه وممتلكاته في الجزائر، من بينها منزلان ومتجر للمواد الغذائية.

معركة حقوقية

اليوم، وبعد مرور خمسين سنة، يقود حميد العاطي الله معركة حقوقية ودبلوماسية عبر جمعية الدفاع عن المغاربة ضحايا التهجير القسري من الجزائر مطالبا الدولة الجزائرية بالاعتراف الرسمي بما تعرض له المغاربة من تهجير جماعي قسري، صنفه خبراء القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية.

قدمت الجمعية ملفها أمام لجنة حقوق الإنسان بجنيف، لجنة حماية حقوق العمال المهاجرين، الفريق الأممي المعني بالاختفاء القسري، وهيئات الأمم المتحدة، وحصلت على اعترافات رسمية جزائرية بوجود عملية التهجير الجماعي.

في الآونة الأخيرة، وجهت الجمعية رسائل إلى وزارة الخارجية المغربية، المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، البرلمان، والفرق النيابية، إضافة إلى رسالة إلى المقام الملكي الشريف.

وتضمنت المطالب: تبني الدولة رسميا للملف وإدراجه ضمن الأجندة الدبلوماسية، إصدار وثيقة مرجعية تدين الجرائم المرتكبة سنة 1975، تفعيل الآليات القانونية لمطالبة الجزائر بالاعتراف والكشف عن مصير المختفين، تحقيق العدالة وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة الجماعية عبر إدراج القضية في المناهج الدراسية وتخصيص يوم وطني للذكرى.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا