مباشرة بعد تسجيل أي حادث استثنائي أو كارثة بإحدى المناطق المغربية، يبرز سلوك جماعي لافت يتمثل في اندفاع واسع للتضامن قولا وفعلا، حيث تتسارع المبادرات الفردية والجماعية نحو دعم المتضررين والتخفيف من آثار المحنة، ويتحول الفضاء الواقعي والرقمي إلى مجال للتكافل والتآزر كما تجلّى بوضوح في حجم التضامن الذي رافق فيضانات القصر الكبير، وقبلها زلزال الحوز، مما يمنح هذا السلوك بعدا إنسانيا خاصا في التفاعل المجتمعي مع الأزمات.
ويمتد هذا السلوك التضامني ليجد صداه في دينامية المجتمع المدني، حيث تنخرط جمعيات وهيئات ومبادرات محلية في تنظيم جهود الدعم وتوجيهها، ما يمنح الفعل الإنساني طابعا مؤطرا ومنسقا، ويجعل من التضامن ممارسة اجتماعية تتجاوز الاندفاع العفوي نحو أشكال أكثر انتظاما، وهو ما يفتح الباب لقراءة هذه الظاهرة من زاوية علم الاجتماع، باعتبارها تعبيرا عن أنماط التماسك المجتمعي وآليات التفاعل الجماعي في مواجهة الأزمات.
عمر مجّان، فاعل جمعوي، قال إن “التضامن مكتسب للأمة المغربية، فالمغربي بطبعه مضياف وكريم، ومن طبيعته أن يكون متضامنا مع أخيه المغربي أولا”، مؤكدا أن “ثقافة التكافل والتآزر متجذرة في المجتمع المغربي منذ القدم، وتشكل أساسا لمختلف المبادرات الإنسانية والخيرية والاجتماعية”.
وأضاف مجّان، في تصريح لهسبريس، أن “هذه الثقافة، المبنية على التكافل والتضامن مع الأسر والفئات المحتاجة، تشكل قوة للمملكة المغربية، خاصة في حالات الكوارث الطبيعية”، مشيرا إلى أن “تدخلات الدولة، مهما كانت إمكاناتها، تتعزز بمساندة المجتمع، وهو ما يجعل المغرب متميزا عن دول أخرى تستغرق فيها عمليات التدخل وقتا طويلا”.
وأكد الفاعل الجمعوي أن “الشعب المغربي، بثقافته الأصيلة وكرمه، يمد يد العون دائما للمؤسسات الوطنية، ويعمل جنبا إلى جنب معها لتقديم الدعم والمساعدة”، مستحضرا المثلين الشعبيين “اليد الواحدة لا تصفق” و”القبيلة تغني الواحد والواحد لا يغني القبيلة”، في إشارة إلى أهمية التضامن الجماعي والجهود المشتركة بين السكان والمؤسسات.
وختم عمر مجّان تصريحه بالقول: “ما نراه اليوم في القصر الكبير من انخراط فعلي وجدي لمختلف فعاليات المجتمع المدني إلى جانب المؤسسات الحكومية والمواطنين العاديين، يؤكد أن المغرب بخير وسيبقى كذلك على الدوام”، مشددا على أن “هذه الثقافة الإنسانية مستمدة من المدارس والحياة اليومية والتقاليد الشعبية كنوع من التعاضد والتعاون لأعمال تهم المصلحة العامة”.
الدكتور مصطفى السعليتي، أستاذ باحث في علم النفس الاجتماعي رئيس شعبة علم النفس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش، قال إن “المغرب يجتاز مرحلة عصيبة في بعض المناطق نتيجة الفيضانات، خاصة في مناطق الشمال، وهي كوارث طبيعية تُخلّف أضرارا مادية ونفسية كبيرة، وتُحدث حالات من الخوف والهلع، لأنها تتجاوز أحيانا قدرات الأفراد على التحمّل والتكيّف”.
وأضاف السعليتي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “التعامل مع مثل هذه الكوارث لا يقتصر فقط على التدخل التقني والمؤسساتي لمعالجتها، رغم أهميته، بل إن في المجتمع المغربي خصوصيات لا تقل أهمية عن تدخل السلطات، في مقدمتها روح التضامن بين الأفراد، التي تبرز بقوة في مثل هذه الظروف الاستثنائية”.
وأوضح أن “الخصوصية المغربية التي يعتز بها المغاربة تُعد جزءا من مكونات تاريخهم وهويتهم”، مشيرا إلى أن “هذا التضامن لا يقتصر دوره على تحقيق الاستقرار الاجتماعي، بل يمثل ثقافة راسخة تقوم على المساعدة الجماعية والشعور بالمسؤولية تجاه الآخر، وعلى الواجب الذي يحس به كل إنسان تجاه أخيه المواطن”.
ومن منظور علم النفس الاجتماعي، اعتبر الأستاذ الجامعي ذاته أن “هذا التضامن إرث متوارث عبر الأجيال، راسخ في العقل الجماعي، لذلك لا يُمارَس باعتباره عبئا، بل باعتباره سلوكا طبيعيا وأساسا في الحياة”، مضيفا أن “المجتمع المغربي لا يمكن أن يكون في قطيعة مع هذا الماضي وهذا الموروث الثقافي القائم على مساعدة الآخرين”.
مصطفى السعليتي أشار كذلك إلى أن “المجتمع المغربي لا ينطلق في تضامنه من معيار إثني أو قبلي”، موردا أن “ما وقع خلال زلزال الحوز حين قدم الناس من مختلف مناطق المغرب، من الشرق ووجدة والحسيمة ومناطق متعددة، لمؤازرة المتضررين وتقديم ما يحتاجون إليه، يبرز ذلك بوضوح”، وأضاف أن “الإنسان المغربي قد يوجد في أوروبا ويعيش القيم نفسها، فيساعد أجانب لا تربطه بهم أي رابطة إثنية أو دينية”.
وأكد الأستاذ ذاته أن “هذا التضامن ينطلق من مرجعية أخلاقية لا تحددها المعايير الإثنية أو القبلية، وهو ما يعزز الاعتزاز بالهوية المغربية”، لافتا إلى أن “هذه الكوارث الطبيعية، رغم سلبياتها وآثارها المؤلمة، تحمل جانبا إيجابيا يتمثل في تعزيز قيم التضامن وترسيخها، غير أن استمرار هذا التضامن وتعزيزه يظل مرتبطا بسياقه وظروفه، وبما يتيحه الواقع من مواقف تُترجم فيه هذه القيم إلى أفعال”.
وفي سياق متصل، شدد المتحدث على أهمية فهم تأثير التضامن على سيكولوجيا الأفراد، موضحا أن “الإنسان المغربي عندما يتضامن مع غيره في محنة ما، فإن لذلك أثرا إيجابيا كبيرا على الصحة والاطمئنان النفسي لمن حظي بذلك التضامن، وعلى الشعور بالأمن والأمان بين الأفراد”.
وختم مصطفى السعليتي تصريحه بالتأكيد على أن “الإنسان بطبيعته يتميز بقدر من الضعف والهشاشة النفسية، غير أن هذا التضامن يساعد الفرد على تجاوز القلق والمعاناة وآثارها. لذلك، فإن التداعيات السيكولوجية للتضامن تكتسي أهمية كبيرة، وقد تعادل في أثرها المساعدة المادية التي تُقدَّم لتلبية مجموعة من الحاجيات”.
المصدر:
هسبريس