آخر الأخبار

تحديات "التفكير المُفوَّض" .. سطوة الأساليب غير المحفزة والذكاء الاصطناعي

شارك

كيف يمكن الحديث عن ” تعلُّم التفكير” في ظل مناخ تربوي، فكري، ووجداني مُضطرب، وفي إطار إحساس جماعي بالحيرة أمام مختلف مظاهر الغموض السياسي والاجتياح التكنولوجي العارم؟ ألا يشكل تناول مآزق “التفكير”، أو الكشف عن “معنى تعلُّمه اليوم” مُغامرة حقيقية؟ وما المعنى الذي ستصبح عليه عملية التعلُّم بعامة، وتعلُّم التفكير بشكل أخص في ظل هذه الأوضاع المتشابكة والُمشَوِّشة، علما بأن التعلُّم يبدأ بالتحقق حينما يعرف الشخص كيف يخرج مما هو معتاد، ويبحث عن مصادر معرفية جديدة ويجتهد لاستيعابها؟

التعلُّم عملية اكتساب معرفة أو كِفاية في إطار تكويني يؤدي بصاحبه، إذا ما تمَّ، إلى تغييرٍ نوعي في معارفه ومواقفه وسلوكاته. ويحصل التعلُّم كلما تجاوز الشخص مستوى تذكُّر المعلومات أو استحضارها، وبلغ إلى فهم موضوع يرقى إلى الاستدامة، بفضل قدرته على ربط المعلومات الجديدة بالأفكار والمعارف المتاحة، وبما تقتضيه العملية من منح المعنى لما يتعلم لتعزيز مسار الاكتساب، خصوصا إذا عمل على بلورة هذه العمليات في صيغ مكتوبة.

خضعت هذه العملية لاجتهادات نظرية عديدة منها النظرية السلوكية التي دعت إلى التدرُّج في بناء المعارف، والمدرسة المعرفية التي ألَحَّت على آليات التحفيز على التفكير، والاتجاه البنائي الذي أكَّد على النهج التفاعلي لبناء التعلمات، وصولا إلى النظرية الترابطية التي تشكلت مع الزمن الرقمي القاضية بخلق “شبكة تعلمات” بواسطة تقاسم معطياتها ومصادرها المعرفية مع الأقران.

التفكير هو عملية تركيز الفكر على موضوع ما لتكوين معرفة أكثر وضوحا وعمقا عنه، قصد التحضير لفعل أو عمل برَوِية وتقدير وحساب، بما فيه التفكير في ما يصدر عن الشخص من كلام وأفكار ومواقف، وما يجتازه من ظروف، وما يمنحه من معنى للحياة، وما يتوقع أن يحصل له في مقبل الأيام. لذلك لا يقتصر تعلم التفكير على تكوين أفكار أو تمثلات عن الموضوع والواقع فقط، وإنما يفترض اكتساب القدرة على مساءلة الذات وإعادة النظر المستمرة في ما تحمله من أفكار وأحكام، وما ينطبق على الذات ينسحب على ما يفكر فيه الآخرين ويعلنون عنه.

يحصل التعلُّم، إذن، بفعل التفكير المعتمِد على الذات، وعلى العقل باعتباره قدرة على التمييز والمقارنة والحُكم، لتكوين ما يمكن نعته ب”فكر يقظ”، أو “نقدي”. لكن كيف نُعَول على إمكانيات تأمين هذا التفكير في الوقت الذي يلحظ فيه الجميع اضطراب في الاختيارات اللغوية، وتراجع تعلُّم اللغات، ونقص القاموس المستعمل، وعجز نسبة تتزايد من المتعلمين على صياغة جُمل مفيدة أو تقديم حُجة عند الجواب على سؤال؟ ألا يؤدي هذا الوضع إلى إنتاج “جهالة” جديدة، ونفسية انصياعية، وسلوكات انتهازية للحصول على نتائج من دون استحقاق؟ ألا ينجم عن ذلك ازدهار الكذب والغش، وما يترتب عنهما من تحايل، وغياب كبير للجدارة الشخصية، وللقدرة على إبداء الرأي والمرافعة، ومظاهر عنف ؟

تُظهر المعطيات كافة أن فعل التفكير وشروط تعلُّمه أصبحت إشكالية يمكن تكثيفها في أربعة مشاكل كبرى على الأقل:

– مشكلة تعوُد إلى الأُسَر أو عجزها، بنسب متفاوتة، على تحفيز أبنائها على جدارة التعلُّم، واكتساب طرق السؤال والتفكير والتمييز والحكم، وتحصيل المعرفة؛ خصوصا وأن المدرسة لم تعد “مصعدًا اجتماعيًا” بالنسبة لأبناء الأسر الفقيرة منذ أكثر من ثلاثين سنة. وهو ما انعكس، وبشكل مُتفاقم، على مواقف التلاميذ وعزوفهم على بدل الجهد، وعلى أساليب نقل المعرفة والقيم الإيجابية، مع التسليم بالاستثناءات المؤكدة من دون شك. وهو الأمر الذي يستوجب التساؤل عن طرق استعادة الثقة في هذه المؤسسة الاجتماعية، وعن نوعية الأدوات البيداغوجية، والجاهزية المعرفية، والوسائل التواصلية لتبليغ معارف تكوينية، وقيم بانية لمن ما يزال مؤمنا بالمدرسة واكتساب المعرفة؛

– مشكلة الرغبة في التعلُّم لدى التلاميذ والطلاب، وتأثير التكنولوجيات الرقمية على ملكاتهم في التركيز والانتباه والتذكر والتعقل، وما نجم عن هذا العزوف من لجوء إلى الغش، والتحايل، وما يترتب عنه من نجاح غير مُستحق، في الكثير من الحالات والمستويات؛

– مشكلة المدرسة والتباس أدوارها بين أن يكون الأستاذ مُربيًا أو أستاذًا -هذا إذا توفر فيه السخاء البديهي للأستاذ والإيمان المبدئي بمهمته. فإذا كان الدور الرئيسي للأستاذ يتمثل في نقل (transmission) المعرفة وتوجيه المتعلم إليها، فإن هذا الدور ولَّد معاناة حقيقية للمدرس وللإداري معا، لأنهما أصبحا يواجهان تحديين اثنين: التحول الجذري لطرق ولوج المعلومة والمعرفة وسهولة الحصول عليها؛ واجتياح المظاهر الاجتماعية السلبية على فضاءات المدرسة بدل قيام هذه الأخيرة بمحاصرتها بواسطة نقل قيم الاجتهاد والتمدن والعمل والنجاح الُمستحَق. وهو ما نجم عنه قلق مؤسسي وإنساني ناهيك عن التعليمي الذي أنتجه واقع المدرسة وصعوباتها اليومية؛

– مشكلة تحدي الرقميات والذكاء الاصطناعي، وما يُولده من حيرة في العملية التربوية والتعليمية، وممكنات التفكير في زمن التسارع حيث التحولات جارفة، والمعرفة أضحت ملكية عامة، وسهلة المنال وأصبحت مقاييس التقييم أكثر صعوبة وأقل مصداقية. فالذكاء الاصطناعي يفرض على الدولة والآباء والمعلمين تغييرا جذريا في مسارات التعلُّم وبناء الذات، حيث يستوجب على الطلبة اكتساب مهارات وطرق استعمال معطياته، ولكن ضمن شروط التعود على ضرورة فحص ما تعرضه عليهم، والتعامل معها بالانتباه النقدي المناسب.

تُعاين أكثر التقارير الوطنية والدولية، وكتابات الباحثين المغاربة في المنظومة التعليمية أن تراجع التعلُّمات يعود إلى الاضطراب الكبير في التدبير السياسي لمنظومة التربية والتعليم وتنامي خوْصصتها، وإلى المزايدات الحزبية التي حرَّفت وتُحرف مشاريع الإصلاح، وإلى غموض الهندسة التربوية، وإلى معضلة الاختيارات اللغوية وفوضى السوق اللسانية وما نجم عنها من هجانة وتلعثم وضعف لغوي وتواصلي؛ بما فيهم من يُنتظر منهم نقل المعارف إلى الطلبة. كما يعود هذا التراجع إلى تقلُّص أدوار الأسرة في المسار الدراسي للأطفال، اللهم إلا إذا استثنينا بعض فئات الطبقة الوسطى، وانخراط الأسر والأمهات في تحفيز الأبناء والبنات على التعلم والاجتهاد والنجاح.

ولعل هذا الواقع يفرض على الجميع مواجهة سؤال “تعلُّم التفكير” ومعاكسة الاستعدادات الواعية أو غير المعلنة للتسليم بنوع من “التفكير الُمفوَّض” في ظل تحدِّيَيْن كبيرين اثنين:

– أولهما صعوبات اكتساب التعلُّمات الأولية (القراءة، الكتابة، الحساب، والتمكن من التقنية…)، وسطوة الأساليب غير المحفزة على التفكير، وأحْرى أن نتحدث عن “التفكير النقدي” الذي أصبح صيغة إنشائية من دون مقتضيات ولا مضامين ولا جاهزية وجدانية على تحمُّله؛ أما قصة القدرة على التحرير والكتابة بشكل صحيح يحترم قواعد اللغة فذلك أضحى أمرا إشكاليا كبيرا؛

– وثانيهما التحديات التي تفرضها المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي الذي، إن تركنا مهامه الإيجابية العديدة جانبا، بدأ وبسرعة مذهلة في إضعاف بيداغوجيا الجهد والعمل، وتفكيك الروابط الاجتماعية، وتهديد التربية والأطفال والشباب، وخلخلة أساليب التعليم، وتغذية التضليل، وتخريب الحياة الخاصة، وتعميق الفوارق.

لقد أصبح من المعلوم، بناء على دراسات متخصصين، ومنهم البحث الذي أنجزه معهد ماساتشوستش للتكنولوجيا (IMT) على الدماغ اعتمادا على استعمال تقنية “التصوير بالرَّنين المغناطيسي” IRM)) وذلك لتتبع نشاط روابط الدماغ المختلفة لِعَيِّنة ممن استعمل “الشات جي بي تي” في كتابة قصص، وأخرى لم تستعمله في الكتابة. وبيَّنت الملاحظة أن أكثر من خمسين في المئة منهم انخفضت قدراتهم على إنجاز عمليات الربط بين وظائف الدماغ، وفي طليعتها ملكة التذكُّر، كما خلصت إلى أن الدماغ يصير أكثر سلبية باستعمال الذكاء الاصطناعي، باعتبار أن أفراد العينة التي جرت عليهم العملية لم يتمكنوا من تذكر تفاصيل ما كتبوه ساعة بعد ذلك، بل نسوا العملية برمتها شهرا بعد ذلك. في حين أن العينة التي اعتمدت على إمكانياتها الفكرية الخاصة لم تتعرض ملكاتها لهذا الحجم من التآكل. والظاهر أن التبعية للذكاء الاصطناعي تنذر بما يسميه الخبراء بتراكم “المديونية الذهنية” (La dette cognitive)، وما يترتب عنها من استنزاف تدريجي لملكات الانتباه، والتعقل، والتذكر، والتخيل، وغيرها.

ليس الذكاء الاصطناعي بريئًا، كما لا يمكن لأحد مَنْعه في جميع الأحوال؛ قد يخضع للضبط لو كانت للدول إمكانيات ذلك، كما هو حال الصين التي قررت تدريسه منذ الطور الابتدائي اعتمادا على منصاتها الخاصة، بل وشرعت في “هندسة تكنولوجية جديدة” تساير شروط إنجاز الثورة الصناعية الرابعة التي لا تقتصر فقط على “إصلاح” مناهج التعليم وبرامجه، وإنما على “إعادة تعريفه” برمته.

وأمام السهولة المفرطة في اللجوء إلى الخدمات التي تتيحها مِنصات الذكاء الاصطناعي الأمريكية، بدأنا نسمع أصوات خبراء ونقرأ كتابات محللين يدعون، وبجدية كبيرة، إلى التعامل اليقظ مع معطياتها، وإلى بناء فهم نقدي لما توفره من معارف ومحتويات وحلول؛ خصوصا وأن هذه المنصات لا تتوقف على تطوير آليات اشتغالها، ولم تعد تقتصر على توفير مواد أو مضامين، وإنما بلورت مهارات لتصير لها فاعلية عملية في الإنجاز، والتوجيه، والاقتراح. لذلك يتعين التعود على أن لا نجعل من الذكاء الاصطناعي، حسب العديد من الخبراء، مجرد وسيلة لحل المشكلات والحصول على الأجوبة والمعرفة، وإنما استخدامه ك”زميل مُعزِّز” لعمليات البحث والتفكير والعمل؛ مع التسلح بأدوات الانتباه النقدي لما يمكن أن تأتي به هذه المنصات من أدوات، وإلى خطورة ما تتضمنه خوارزمياتها من خلفيات وأخطاء حالية.

ولعل هذا الأمر يستدعي إنجاز مهمة مزدوجة: محاصرة اجتياح سلبيات المجتمع للمنظومة التعليمية، من إفساد، وغش، وكسل، والحرص بكل الطرق على استبعاد هذه السلوكات؛ والتشبت، في الآن نفسه، بالذكاء الجماعي للدفاع عما تبقى من وظائف للمدرسة والجامعة؛ بل وما تبقى من إنسانية الإنسان.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا