تقدم جريدة هسبريس الإلكترونية على مدار ثلاث حلقات متتالية تجربة نقدية متفردة، بتقديم إطار نظري وسياق تاريخي وتحليلي لمسار المخرج الأمريكي مايكل تشيمنو (3 فبراير 1939 بنيويورك – الوفاة 2 يوليوز 2016 بلوس أنجلوس)، مع قراءة لأفلامه: “صائد الغزلان” و”بوابة الجنة”. وتعكس هذه الأفلام مسيرته السينمائية ورؤيته الإخراجية ومفهومه للسينما ودورها المجتمعي وموقفه من الحرب والصراع الطبقي والحلم الأمريكي والمرأة.
تنبثق سينما مايكل تشيمنو من جرح مفتوح بين الفرد والدولة، بين الحلم الأمريكي وصورته حين تنقلب على أصحابها. ولا تبدأ أفلامه من الحدث، وإنما من القلق الذي يسبقه، من ذلك الارتجاف الخفي في النفس قبل أن يتخذ العنف شكله العلني. ويطرح تشيمنو أسئلته بلا حماية جمالية زائفة، سائلاً عمّا يتبقى من الإنسان حين تطالبه السلطة بأن يكون أداة؟ وحين يتحول الوطن من فكرة حاضنة إلى امتحان قاسٍ للولاء والذاكرة؟
وتتقدم شخصياته كأجساد مثقلة بالتاريخ، لا تبحث عن البطولة بقدر ما تبحث عن معنى البقاء. وتبدو السياسة في أفلامه قدراً نفسياً، لا خطاباً، حيث تتسلل إلى العلاقات والصمت والخيارات الصغيرة. وفي قلب هذا العالم يقول مايكل في فيلم “صائد الغزلان” بشخصية مايكل فرونسكي: “الشيء الوحيد الذي أملكه هو نفسي، وإذا خسرتها فلن يبقى شيء”، وهي عبارة تختصر رؤية سينما ترى الإنسان آخر ساحة معركة وأعمقها احتراقاً.
استكشف مايكل تشيمنو في أفلامه فكرة الحدود بمعناها الوجودي والاجتماعي والنفسي، وجعل من هذه الحدود أرضية خصبة للسرد السينمائي والنقد الجمالي. وتركز على الشخصيات التي تعيش على هامش المجتمع، وتقدمها في صراعات مستمرة مع قيود الواقع، وشكلت الحدود محوراً لإعادة التفكير في الحرية والهوية والانتماء داخل هذه السينما.
وسلط المخرج الضوء على الحدود الجغرافية في أفلامه، حيث تتحرك الشخصيات في فضاءات ضيقة أو مفتوحة، لتعكس الحواجز التي تفرضها الحياة. وفي فيلم “سنة التنين” (1985)، يظهر المشهد الذي تتجول فيه البطلة (أريان كويزومي) بين الأزقة الضيقة كرمز لقيود المجتمع الصارمة، وتبدو الحدود غير مرئية لكنها مؤثرة في كل حركة. أكد تشيمنو من خلال هذه المشاهد أن الحدود ليست مجرد جغرافيا، فهي حالة ذهنية تحاصر الإنسان وتعيد تشكيل هويته. واستثمر تشيمنو الحدود النفسية ليبرز التوتر الداخلي للشخصيات. وفي فيلم “بوابة الجنة”، يعاني البطل من صراع بين رغباته الذاتية وما يفرضه عليه المجتمع، ويعكس الحوار الداخلي مع ذاته حدود الحرية الفردية. وكما يقول: “الإنسان يعيش في زنزانة لا تبنى بالحجارة، بل بالتوقعات والأحكام”. وتبرز هذه العبارة فلسفة تشيمنو في رسم الحدود غير المرئية التي تحدد مسارات الشخصيات وتتحكم في اختياراتهم.
أبرز تشيمنو الحدود الاجتماعية من خلال شخصيات المرأة، التي غالباً ما تظهر في مواجهة المجتمع الأبوي أو القيود الثقافية. قدم البطلة كرمز للصمود والتحدي، سواء في فيلم “بوابة الجنة” (1980)، حيث تكافح المرأة لإثبات ذاتها أمام قيود العائلة والمجتمع، أو في “سنة التنين”، حيث تُجبر على التفاوض مع سلطات ذكورية. وتوضح هذه النماذج كيف تتقاطع الحدود الشخصية مع الهياكل الاجتماعية لتشكل صراعات وجودية عميقة.
واستخدم تشيمنو الحدود الزمنية والتاريخية ليعيد النظر في الماضي وتأثيره على الحاضر. وفي “بوابة الجنة”، حيث تتقاطع أحداث الماضي مع تصرفات الحاضر، وتصبح الحدود الزمنية أداة سردية لتسليط الضوء على كيفية توريث القيود والصراعات بين الأجيال. كما يعكس ذلك على مستوى الشخصيات، فكل فرد يحمل حدوداً من الماضي تؤثر على خياراته ومستقبله، مما يجعل الفيلم دراسة في العلاقة بين الذاكرة والحرية.
ووظف تشيمنو الرمزية البصرية لتصوير الحدود، مستخدماً خطوط الأفق والأبواب والجدران والمرايا. في مشهد من فيلم “صائد الغزلان” (1978)، يظهر البطل واقفاً أمام باب مغلق، وتعكس الزوايا الحادة والإضاءة المظللة الصراع الداخلي مع القيود. ويجسد ذلك رؤيته السينمائية بأن الحدود ليست أفقية فقط، فهي ممتدة في العقل والنفس.
أعاد تشيمنو النظر في مفهوم الهوية من خلال الحدود، وجعل من تجاوزها لحظة اكتشاف الذات والتحرر. وغالباً ما تواجه شخصياته لحظات اختبار تحدد مصيرها، سواء في المواجهة المباشرة أو الصراع النفسي. وتطرح أفلامه أسئلة حول ما إذا كانت الحرية ممكنة في عالم مليء بالقيود. كما تقول إحدى شخصياته: “كل حائط أقابله هو فرصة لأعرف نفسي”، وهي عبارة تلخص فلسفة تشيمنو في التعامل مع الحدود باعتبارها محركات للسرد والتطور الشخصي.
ويؤكد تشيمنو من خلال جميع أفلامه أن الحدود متعددة الأبعاد: جغرافية واجتماعية ونفسية وثقافية، وأن تجاوزها لا يعني بالضرورة التحرر الكامل، فهي إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمحيط من حوله. ويبقى حضوره السينمائي بارزاً في قدرته على تحويل هذه الحدود إلى تجربة جمالية ونقدية، تجعل المشاهد يتأمل في الصراع بين القيود والرغبة في التمرد، بين الانكسار والتمكين وبين الواقع والحلم.
ويمكن القول إن سينما مايكل تشيمنو تقدم دراسة معمقة عن الحدود، وتجعل من كل شخصية حالة فكرية وجمالية، تجمع بين النقد الاجتماعي والفلسفي، فتفتح أمام الجمهور نافذة للتأمل في ذاته ومحيطه، وتعيد تعريف معنى الحرية في عالم لا يتوقف عن فرض القيود.
استهل مايكل تشيمنو رحلته الإخراجية في هوليوود انطلاقاً من خلفية فنية بحتة في الفنون والتصميم، فصاغ منذ بداياته فكرة واضحة بأن السينما ليست مجرد حكي، فهي بناء بصري ووجداني.
وتحلت ماهية سينما تشيمنو في تركيزها على الجسم البشري كميدان للتضحية والتحول، وعلى المكان كمنصة للأساطير الخفية. وبنى أفلامه الكبرى مثل “صائد الغزلان” (1978) وفيلم “بوابة الجنة” (1980) على مقاطع جسدية قوية – جولات الصيد ولحظات الحرب والمعارك على الحدود – تأثرت بها مناظر الطبيعة الشاسعة وخشونة الواقع.
وأسس تشيمنو سرديته عبر إشكاليات الهوية والانتماء، إذ إن “صائد الغزلان” أقام علاقة بين أصدقاء عاديين، فانكشفت الهوية بين ما كان وما صار، بين الجنوب الصناعي الأمريكي و”الأرض” البرية التي تلتهم شبابهم. بينما في فيلم “بوابة الجنة”، رسم صداماً بين المهاجرين والفلاحين والطبقات الحاكمة، مُعلناً أن السقوط ليس فردياً فحسب فهو مجتمعي.
واستخدم تشيمنو اللغة الخفية للسينما: صمت طويل، خطة واسعة، حركة منسقة للجسد في الإطار، وكأن الجسد يبوح بما الكلمات تعجز عنه. حينما يردد المخرج: “أنا لا أصنع أفلاماً فكرية. أنا أصنع أفلاماً لأروي قصصاً عن الناس”. وهذا التصريح يفضي إلى أن الفعل السينمائي عنده ليس خطاباً نظرياً، وإنما “عيشاً” بصرياً ونفسياً.
وواجه تشيمنو إشكالات جمالية وعملية متعددة: ففي “بوابة الجنة”، بلغ التوسع الإنتاجي ذروة الطموح فانهار أمام الميزانية وساعات التصوير. وتعود النتائج إلى “النفس الاحتفالية” للسينما التي لا ترضى بالتقليد، وإنما تسعى إلى تكوين أسطورة عضوية. وحينما يقول إن “الوقت والمكان عندي جزء من السيناريو مثلما هو الحوار”، فإننا نستشعر حرصه على جعل الإطار عنصراً سردياً، ليس مجرد خلفية.
وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي، كانت أفلامه مرايا للتوترات الأمريكية: الهوية والحرب والعرق والسلطة والطبقة. فـ “صائد الغزلان” نوقش حول تمثيله للح war والروسوليت (مهاجرون فقراء من أوروبا الشرقية). وفتح الفيلم نقاشاً جديداً حول فيتنام. كما أن “بوابة الجنة” صار خالداً لا فقط بوصفه فشلاً تجارياً، وإنما كمعلَمٍ في تاريخ الاستوديوهات الأمريكية، يقف عند مفترق الأسطورة والكساد.
ولم تغب الواقعية النفسية عن أعماله: الشخصيات عنده تحمل الجسد والنفس معاً، فتصبح الضحية المقاتلة والمنتصر المنهك في آن واحد. وجسد تشيمنو ما أطلق عليه “الحلم بالغرب الأمريكي”، ليس بوصفه أسطورة خالدة بقدر ما هو سيناريو مدمر ينتظر الانتقام والخسارة. فالهوية هنا تراوحت بين الحنين والانفصال، بين الجسد الذي يفعل والعقل الذي يتأمل.
أما الجمالية فكانت متمايزة: بمزيج بين الإطالة – في المونتاج واللقطة والمشهد – وبين الدقة الصارمة في وضع الكاميرا وتحريك الجسد داخل الإطار. وقال في مقابلة عن مخيلته البصرية: “ما أستطيع أن أكتبه لا أستطيع أن أخرجه”، مما يشير إلى أن رؤيته التصويرية تتقدم على النص في كثير من حالاته.
ورغم أن أعماله التالية مثل “سنة التنين” (1985) و”The Sicilian” / “الصقيلي” (1987) لم تحصد نفس التأييد، فإن أثر تشيمنو يبقى قائماً كمخرج طموح حضر من النزعة الإعلانية والتجارية ليحول السينما إلى فسحة رؤى ونزاع.
وتمثل سينما مايكل تشيمنو اختباراً لما يمكن أن تكون عليه الأفلام الكبرى: ليست مجرد ترفيه أو رسالة، فهي بناء سينمائي بالغ يتداخل فيه النفسي والجسدي، والقصة والخفاء، والهوية والسلطة، والصورة والكتابة. ويمكن أن نقرأ بين العظمة والسقوط هذه الأفلام ليس كنتاج خاطئ أو صحيح، وإنما كتجربة كاملة لحضور إنسان في مواجهة ذاكرته وحاضره ومستقبله.
الصراع الطبقي في سينما مايكل تشيمنو
تجلى في أعمال مايكل تشيمنو رؤية سينمائية تسعى إلى كشف العمق الطبقي للواقع الأمريكي، عبر سرد بصري مكثف يجمع بين الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وبين البعدين اللغوي والجسدي والهوياتي. وبدا هذا البعد الطبقي في أفلامه من حيث تضاد “الأغنياء” و”الفقراء”، ومن خلال وضع الأقليات والمهاجرين، ومن حيث تداخل الهوية والجسد واللغة كأدوات للصراع.
وانطلق تشيمنو من وضع اجتماعي محدد حين جسد في فيلمه “بوابة الجنة” (1980) ما يمكن تسميته بـ “حرب الفئات” في الغرب الأمريكي. وفي هذا العمل، استبدل الصراع التقليدي بين المزارعين والهنود الأصليين بصراع بين “المستوطنين المهاجرين من أوروبا الشرقية” (الروسوليت) و”أسياد الثروة وملاك الأراضي”. ويصور الفيلم كيف أن الأرض والثروة ليست ملكاً للجميع، فهي لمن يملك السلطة والسلاح والقانون. وكما يقول أحد رجال الجمعية في الفيلم: “لم يعد هذا بلد الرجل الفقير”. وتظهر هذه العبارة كإعلان صريح بانتهاء الحلم الأمريكي الذي وعد بالعدالة والمساواة.
ويستند تشيمنو إلى بعدٍ سياسي واقتصادي واضح، إذ يبرز كيف يسعى الأغنياء إلى السيطرة على الأرض والموارد، بينما يدفع الفقراء والمهاجرون إلى الهامش أو إلى الموت. ويتجلى هذا في مشاهد القتل الجماعي والطرد والتعذيب، التي تمثل الصراع الطبقي في أكثر أشكاله وحشية وملموسية. ولا يقدم الصراع هنا بوصفه مواجهة بين أفراد، بل كصدام بين بنى اجتماعية. وهو دراسة ملحمية لعلم الاجتماع ولحالة الصراع الطبقي في المجتمع الأمريكي.
ومن خلال اللغة والجسد والهوية، يضفي تشيمنو على الصراع الطبقي أبعاداً إنسانية عميقة. فالمهاجرون في فيلم “بوابة الجنة” لا يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، ويعاملون كغرباء داخل وطن يُفترض أنه يحتضن الجميع. وتصبح اللغة هنا علامة على الطبقية والانتماء. وأما الجسد، فيتحول إلى ساحة للصراع، وإلى ضحية للعنف الطبقي، حيث تتجسد المعاناة في الدماء والعرق والدموع. وهكذا تتحول الهوية “مهاجراً أو فقيراً” إلى وصمة تُحدد موقع صاحبها داخل الهرم الاجتماعي.
وقد سبق تشيمنو هذا العمل بفيلمه الشهير “صائد الغزلان”، الذي يستعرض حياة ثلاثة أصدقاء من الطبقة العاملة في بلدة صناعية صغيرة، قبل أن تبتلعهم حرب فيتنام. ويصور الفيلم الحرب كامتداد للاضطهاد الطبقي في الداخل الأمريكي، حيث تتحول المصانع إلى معسكرات، والجنود إلى ضحايا نظام اقتصادي لا يرى فيهم سوى أدوات. ويعتبر من الأفلام القليلة التي تناولت بجدية حياة الطبقة العاملة الأمريكية وظروفها القاسية.
من الناحية الأكاديمية، يمكن القول إن تشيمنو استخدم اللغة السينمائية – الصورة والموسيقى والمكان والجسد – كوسيلة لتحليل الهيمنة الطبقية. ففي افتتاحية فيلم “بوابة الجنة”، تبدأ القصة بحفل تخرج من جامعة هارفارد، رمز النخبة والسلطة، قبل أن تنتقل إلى الغرب الأمريكي حيث يعيش الفقراء والمهاجرون في الفوضى والعنف. وهذا الانتقال السردي ليس عشوائياً، فهو يعكس المسافة الهائلة بين عالم الأغنياء الذين يملكون التعليم والفرص، وعالم الفقراء الذين يُجبرون على القتال من أجل البقاء. إنه انتقال من المراكز إلى الهوامش، ومن الامتياز إلى العذاب.
ومن الناحية الجمالية، لا يكتفي تشيمنو بوصف الصراع، فهو يمنحه بعداً بصرياً وشعرياً عميقاً. وفي مشاهد الرقص الجماعي قبل اندلاع العنف، تبدو الكاميرا كأنها توثق لحظة نادرة من الفرح الشعبي، لحظة قصيرة يتساوى فيها الجميع قبل أن تندلع الكارثة. وعندما يبدأ القتل، يتحول المشهد إلى ملحمة بصرية تعبر عن انهيار الحلم الجمعي. وفي التتابع بين الحب والرقص ثم الحرب؛ بعد رقص الفلاحين، تبدأ طبقة الأغنياء في الجلجلة. وفي هذا التحول الدرامي، تتحول السينما إلى مرآة جمالية تكشف وجه الطبقية المتوحش خلف قناع الحلم الأمريكي.
وتطرح سينما تشيمنو سؤالاً مركزياً: هل يمكن للحلم الأمريكي أن يتحقق في ظل بنية طبقية متصلبة؟ في فيلم “صائد الغزلان”، يجيب عبر أبطاله الذين يعودون من الحرب محطمين، غير قادرين على استعادة ذواتهم أو مدنهم. أما في فيلم “بوابة الجنة”، فيضع السؤال بشكل أكثر مأساوية: من يملك الأرض؟ ومن يحق له أن يُعتبر “أمريكياً”؟ وهذه الأسئلة لا تتعلق فقط بالاقتصاد، وإنما بالهوية والانتماء واللغة والذاكرة الجماعية.
لقد أدرك تشيمنو أن الصراع الطبقي ليس مجرد مواجهة اقتصادية، فهو صراع على الوجود والمعنى. فالأغنياء لا يملكون المال فقط، ولكنهم يملكون أيضاً التاريخ واللغة والقدرة على تعريف الآخر. أما الفقراء، فيُتركون بلا صوت، بلا أرض، بلا هوية. ويقول أحد شخصيات فيلمه بمرارة: “صار من الخطر أن تكون فقيراً في هذا البلد”. وفي هذا القول تختصر الفلسفة التشيمينية كلها: الفقر ليس عيباً أخلاقياً، فهو نتيجة لهيمنة بنية اجتماعية تُقصي من لا يملك.
ويمكن القول إن مايكل تشيمنو لم يقدم أفلاماً عن الصراع الطبقي بقدر ما قدم ملحمة بصرية عن الإنسان المقهور. ومزج بين التراجيديا الاجتماعية والجماليات البصرية ليخلق رؤية سينمائية نادرة تتجاوز السرد إلى التأمل. لقد جسد ببراعة كيف تتحول الهوية واللغة والجسد إلى أدوات مقاومة في وجه القهر الطبقي، وكيف يصبح الجمال نفسه فعلاً من أفعال الثورة. وبهذه الرؤية، يظل تشيمنو أحد المخرجين القلائل الذين حولوا المأساة الاجتماعية إلى فن خالد يتجاوز الزمان والمكان، ويذكرنا بأن السينما قادرة على أن ترى ما لا يراه المجتمع: الحقيقة الطبقية للعالم.
استهل المخرج مسيرته الإخراجية خلال سبعينيات القرن العشرين مع أعمال ارتبطت بسمعته كمخرج صاحب رؤية ضخمة ومخاطرة كبيرة. ومع ذلك، بدا أن تمثيل المرأة في أفلامه ظل في الظل، إذ ركز أساساً على شخصيات ذكورية تعرض للصراع، وتراجع دور المرأة إلى الخلفية أو كحاضر هامشي يحمل دلالات رمزية أكثر من فعلية.
عرضت تلك الآليات السينمائية لدى المخرج رؤية تعكس الاضطرابات النفسية والمجتمعية، لكنها في الوقت نفسه قصّرت في تقديم المرأة كمحور فاعل في النص. ورغم أن بعض أفلامه تضم نساء مؤثرات، إلا أنهن نادراً ما يكنّ محاورات رئيسيات أو عناصر تحريك للقصة بقدر ما يكنّ مظلات لحالة الذكورة أو مرآة لانكساراتها.
وفيما يخص الرؤية التي يطرحها المخرج للمرأة، فقد اتسمت بنوع من التباين: على مستوى الصوت البصري، فقد أضاء على الجسد الأنثوي أو المرأة كرمز، لكن هذه الإضاءة لم تنضبط عادة بصوت نسوي مستقل. فعلى سبيل المثال، في “صائد الغزلان”، تظهر شخصية «أنجيلا» التي تجسدها ميريل ستريب كزوجة وأم قبل أن تكون فاعلة في حراك درامي مستقل؛ إذ تبتدئ كخيار عاطفي محوري، ثم تتلاشى تدريجياً من الخط الأساسي للصراع بعد أن تغادر مكان العلاقة والزمن الضائع في الحرب. ويصحب ذلك استخدام المخرج للمرأة كوسيلة لتأطير الذكورة التاريخية والتحول الاجتماعي، لا بوصفها مركزاً سردياً ذا إرادة مستقلة.
وتجلت الأهمية الجمالية في أعماله من خلال بنية المشهد والإضاءة وزاوية الكاميرا. وفي فيلم “بوابة الجنة”، الذي تعرض لهزيمة تجارية قاسية ولكنه نال لاحقاً مراجعات نقدية أعادت تأهيله، تحضر الشخصيات النسائية داخل فضاءات شاسعة تحاكي التهجير والتمرد والصراع الطبقي؛ ومع ذلك تبقى المرأة في هذا الفضاء كشاهد أو كضحية أو كمحمّلة بالذاكرة، لا كفاعل مفتعل. وتظهر المرأة في أفلام تشيمنو تمثل “الآخر” الذي عبره الذكر يُمارس استعادة أو طمساً للهوية.
ومن أبرز قصصه تلك التي تترجم رؤيته عن العالم: ففي فيلم “صائد الغزلان”، تنطلق القصة من مجموعة رجال قبل الحرب، ثم تعتمد انكسارهم كأيقونة، وتُعرض المرأة ضمن فضاء المنزل والوداع. وفي فيلم “بوابة الجنة”، أراد تصوير هجرة المزارعين الأوروبيين إلى الغرب الأمريكي، والصراع مع الإقطاع، والذهاب إلى نهاية رمزية لعالم كان يبدو مشيّداً على وهم العدالة. ورغم ضخامة الرؤية، بقي تصوير المرأة في الحالتين ضمن سياق مادي وسياسي أكبر منه تصويراً نفسياً مستقلّاً.
ولئن قدم تشيمنو بطلة أو شخصية نسائية في أفلامه، فقد كانت غالباً محورية لكن ليست فاعلة بنفس القدر الذي يحتله الرجل في النص. ففي فيلم “سنة التنين” مثلاً – بالرغم من أهميته في مسيرته – تظل البطولة الرجالية مركزية، فيما المرأة تظل مرتبطة بخلفيات الرجل أو كعنصر مرافقة أو مقاومة ضمن مفردات الذكورة والعنف. وتُلمس هنا مضاعفات نظرته: من جهة ثمة احترام لمصائر الرجال كأبطال ملحميين، ومن جهة أخرى يقف حضور المرأة على هامش هذا المنحى الملحمي أو الخارجي له، ما يكشف عن انشغال مخرجه بالرجولة التاريخية أكثر من الانشغال بالمرأة كذات مستقلة.
وعند تناول المشهد الجمالي، يتبين أن المخرج استعمل المرأة بصرياً للاستحواذ على صورة مؤثرة: حضور الجسد والتوتر بين الداخل والخارج والنور والظل والحركة والتجمد، لكن هذا الجمال غالباً يسهم في تأطير الرجل أو تسليط الضوء على وضعه لا في قراءة الذات الأنثوية. وهكذا، تكون البطلة في أفلامه أكثر من مرة رمزاً للغياب أو للفقدان، أو نقطة انطلاق لتاريخ ذكرى أو مأساة، أكثر من أنها هي من يقود التاريخ أو يصنعه.
ويمكن القول إن قراءة نقدية لجسد المرأة في سينما تشيمنو تُظهر ما يلي: تركيزاً على التمثّل الأنثوي في إطار علاقة بالسلطة والنزاع والذاكرة أو التاريخ؛ وتصويراً غالباً مبهراً بصرياً لكن غير متوازٍ من جهة العمق الذاتي للمرأة. وتؤسس لرؤية على الذكورة كقيادة درامية، والمرأة كمرافقة أو كمرآة لعالم الرجل أو صراعه.
ويمكن النظر إلى سينما مايكل تشيمنو بأنها تجربة بصرية قوية، تحمل رؤية درامية ضخمة، لكنها في ما يخص حضور المرأة تظل بحاجة إلى إعادة قراءة من منظور نسوي ونقدي. ويقع التحدّي في استعادة تلك الشخصيات النسائية من هامش الرؤية إلى مركزها، ومن رموز الصورة إلى فاعلياتها الفعلية داخل النص.
تشكل سينما مايكل تشيمنو تجربة فريدة في تاريخ السينما الأمريكية، حيث تتقاطع الملحمة التاريخية مع النقد السياسي والأخلاقي والمتخيل البصري. وتنشغل أفلامه بإشكاليات السلطة والعنف المؤسسي، وتدمير الحلم الأمريكي باسم التقدم، مع تركيز عميق على مصائر المهمشين والمنسيين. ويعتمد تشيمنو لغة بصرية مهيبة بطيئة الإيقاع، تجعل من التاريخ فضاءً للصراع لا للتمجيد، وتكشف هشاشة الفرد أمام آلة الجماعة. وتسكن شخصياته الخسارة والحنين، وتتحرك داخل عالم لا يرحم. وكما يقول جيم أفريل في فيلم “بوابة الجنة”: “نحن لسنا أحرارًا، نحن فقط نؤجل الهزيمة قليلاً”.
المصدر:
هسبريس