آخر الأخبار

صناعة الألعاب الإلكترونية بالمغرب.. فرص اقتصادية واعدة وتمكين جديد للشباب

شارك

من غُرف الشباب المغلقة كوسيلة للترفيه العابر أو “تزجيةٍ للوقت” إلى صناعة عالمية عابرة للحدود وقائمة الذات، تتجاوز في مداخيلها المالية، أحياناً، صناعتَي السينما والموسيقى مجتمعة، يتطور قطاع الألعاب الإلكترونية (Gaming) فارضا نفسه بقوة ضمن أجندات ورهانات “السيادة الرقمية” لعدد من الدول، ومتطورا كمحرّك للتمكين الجديد للشباب.

وفي قلب هذه الدينامية اختار المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، أن يضع هذا القطاع في صلب أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، معتبراً إياه رافعة إستراتيجية للتمكين وتصدير “العلامة المغربية” نحو العالَم. كما يتبين من خلال اشتغال وزارة الشباب والثقافة والتواصل على هذا الملف أن الرؤية المغربية لهذا القطاع تتجاوز منطق “الاستهلاك السلبي” نحو منطق الإنتاج و”القيمة المضافة”.

فرص اقتصادية واعدة

وفق معطيات رسمية من الجهات الوصية توفرت لجريدة هسبريس الإلكترونية فإن صناعة الألعاب الإلكترونية “فرصة ذهبية” للمغرب لتنويع مصادر نموه الاقتصادي.

وتتجلى هذه الفرصة في ثلاثة مستويات تتكامل في ما بينها: “الإدماج المهني وخلق جيل جديد من المهن”، “تطوير الرأسمال البشري ومهارات المستقبل”، فضلا عن “الإشعاع الثقافي وصون الهوية”.

من زاوية الإدماج المهني تَفتح هذه الصناعة، الآخذة في الانتشار بقوة، الأبوابَ أمام الشباب المغربي لولوج “وظائف ذات قيمة مضافة عاليّة، لا تعترف بالحدود الجغرافية”. ويتعلق الأمر أساساً بمِهَنِ مُطوري ألعاب، مصممين، وفنانين رقميين، مبرمجين، وكتّاب سيناريو، وصولاً إلى مهن الرياضات الإلكترونية (eSport) والتسويق الرقمي. هذه المهن تمنح الشباب المغربي “جواز سفر رقمي” للاندماج في سلاسل القيمة العالمية.

الرأسمال البشري ومهارات المستقبل

بعيداً عن جوانب التقنية يساهم الـ “Gaming” في صقل مهارات ناعمة (Soft Skills) حاسمة في الاقتصاد الحديث: مثل روح الابتكار، والعمل الجماعي، وحلّ المشكلات المعقدة، وتطوير المهارات اللغوية.

وتلفت وزارة الشباب والثقافة والاتصال، التي خصّصت مديرية في هيكلها التنظيمي لتنمية صناعة الألعاب الإلكترونية ونظم المعلومات، إلى أن “الاستثمار في هذا القطاع هو في جوهره استثمار في ذكاء الشباب وقدرتهم على التأقلم مع الاقتصاد الرقمي للغد”.

الإشعاع الثقافي وصون الهوية

يمتلك المغرب إرثاً حضارياً وتاريخياً غنياً، وتعتبر الألعاب الإلكترونية وسيلة حديثة ومبتكرة لـ “حكي المغرب” بطريقة مختلفة.

من خلال محتويات رقمية مغربية يمكن للعالم أن يكتشف هوية المملكة وتراثها بلمسة إبداعية شبابية، ما يعزز “القوة الناعمة” لبلادٍ ضاربة في التاريخ.

تحديات بصبغة مغربية

الآفاق المفتوحة لقطاعٍ يتطور بسرعة تسَعُها الرؤية الرسمية كذلك؛ لكن ضمن منشورٍ أشمل يستدمج التحديات التي ترافق هذا التحول الرقمي. ويتبنى المغرب مقاربة شاملة تهدف إلى جعل اللعب أداة للإدماج لا سبباً في العزلة.

في هذا الصدد تؤكد الوزارة على مبدأ “الألعاب المسؤولة”، إذ تضع مع الشركاء مثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) حماية حقوق الطفل في الفضاء الرقمي “أولويةً قصوى”. فيما الهدف هو الانتقال من الاستخدام “العفوي” إلى “الاستخدام الواعي” الذي يوازن بين الشاشة والحياة الاجتماعية والتعليمية.

وبشأن الفجوة الرقمية فإن المملكة المغربية ترفع تحدي “الشمولية المجالية”، إذ تسعى وزارة الشباب والثقافة والتواصل إلى تقليص التفاوتات بين المدن والقرى من خلال تجهيز “دور الشباب” بالبنية التحتية اللازمة، وتورد: “لا يمكن بناء صناعة ألعاب إلكترونية قوية دون ولوج عادل ومنصف إلى الإنترنت والمعدات لجميع الشباب المغاربة”.

خارطة طريق الوزارة.. آليات المواكبة والتمكين

لتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس اعتمدت الوزارة مصفوفة من الإجراءات العملية بمثابة “خارطة طريق” حقيقية للقطاع، لمواكبة تطور منظومته المتسارعة.

وبشأن “التكوين والتأهيل” خُصصت برامج تكوين لغير المتمدرسين (NEET) وأيضاً مسالك دبلومات أكاديمية (من البكالوريا+2 إلى البكالوريا+5) متخصصة في “مهن الألعاب”.

وعن دعم المقاولات الناشئة يتم إطلاق برامج احتضان (Incubation) لفائدة الشركات الناشئة والمقاولين الذاتيين في مجال تطوير الألعاب.

كما تتم الاستفادة من الشراكة الدولية والخبرات المغربية، عبر العمل على ربط الجسور مع “مغاربة العالم” الذين حققوا نجاحات دولية في هذا المجال لنقل الخبرات وإلهام الجيل الصاعد.

هيكلة المنظومة الاقتصادية شُرع فيها فعليًا من خلال “تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص”، وتنظيم تظاهرات كبرى، مثل المعرض السنوي “Morocco Gaming Expo”، لتسليط الضوء على الإمكانات الوطنية.

ويبقى الطموح المغربي اليوم واضحا ومحددا: جعل صناعة الألعاب الإلكترونية محركاً حقيقياً للارتقاء الاجتماعي والنمو الاقتصادي؛ فالشباب ليسوا “مجرد مستهلكين” في هذه الرؤية، بل هُم شركاء في صياغة السياسات العمومية المتعلقة بهم.

وتراهن الرؤية الرسمية، اليوم، على تعبئة جماعية تشمل المؤسسات، القطاع الخاص، الأسر، والشباب أنفسهم، لبناء منظومة متكاملة تجعل من المغرب قطباً قارياً ودولياً في صناعة “ذكاء المستقبل”. فكل استثمار في “gaming” هو في الحقيقة استثمار في “المستقبل الرقمي” للمملكة.

معطيات رقمية دالة

يرسم قطاع الألعاب الإلكترونية “الأداء الحالي والمؤشرات الاقتصادية” نحو تحقيق رقم معاملات وطني لافت، إذ صرّح الوزير محمد المهدي بنسعيد بأن قطاع الألعاب الإلكترونية في المغرب حقق رقم معاملات بلغ 120 مليون دولار (حوالي 1.2 مليار درهم)، مؤكداً أنه يتجاوز رقم معاملات قطاعات ثقافية وفنية أخرى مجتمِعة.

حصة السوق العالمية

يستهدف المغرب الاستحواذ على حصة 1 في المائة من السوق العالمي، الذي تُقدر قيمته، حالياً، بنحو 300 مليار دولار، مع توقعاتٍ تقدّر وصوله إلى 535 مليار دولار بحلول 2033.

الطموح المالي للمغرب لا يقف هنا؛ فمن خلال إستراتيجيته الوطنية فالغايةُ الوصول إلى رقم معاملات سنوي يناهز 5 مليارات دولار (50 مليار درهم) في أفق السنوات الخمس المقبلة.

وتهدف الوزارة من خلال مشروع “مدينة الألعاب” (Gaming City) إلى توفير 5000 فرصة شغل جديدة للشباب المغربي، منها 3300 فرصة شغل مباشرة، وفق معطيات رسمية توفرت لجريدة هسبريس.

تعدد المهن بمسارات مختلفة عنصر آخر يصب في “إدماج الشباب” في أكثر من 70 مهنة جديدة، تشمل: البرمجة، التصميم ثلاثي الأبعاد (3D)، الكتابة الإبداعية، والرياضات الإلكترونية.

الاستثمارات والبنية التحتية

في شق الاستثمارات والبنية التحتية فإن مشروع مدينة الألعاب بالرباط (Rabat Gaming City) من أبرز المشاريع “الضخمة” التي تهدف إلى تحويل العاصمة “قطباً قارياً”، مع ميزانيات استثمارية مرصودة لهيكلة المنظومة.

كما سيتم خلق “منصة” في الدار البيضاء؛ جسّدها مشروع لتحويل سوق الجملة القديم “بيلفيدير” بالدار البيضاء إلى منصة دولية للألعاب الإلكترونية بتكلفة تُقدر بـ 150 مليون درهم (15 مليار سنتيم).

ولتفعيل مسارات التكوين أطلق المغرب برامج مخصصة مثل “صانع ألعاب الفيديو” لتكوين جيلٍ من المحترفين، مع استقطاب مدارس دولية متخصصة (مثل مدرسة ISART الفرنسية)؛ بينما تعتمد الإستراتيجية على حقيقة ديمغرافية دامغة: 45% من المغاربة تقل أعمارهم عن 25 سنة، ما يوفر قاعدة بشرية هائلة لهذه الصناعة.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا