كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات عن تأخر ملموس في استغلال المياه العادمة المعالجة وعدم تثمين جزء مهم منها، فرغم الوعي بأهمية إعادة استخدام هذه المياه الذي برز منذ الدورات الأولى للمجلس الأعلى للماء والمناخ خلال ثمانينيات القرن الماضي، لم تتم برمجة تعبئة هذا المورد المائي غير الاعتيادي إلا سنة 2019 في إطار البرنامج الوطني للتطهير السائل المندمج وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة 2019-2040، حيث تم إنشاء غالبية محطات المعالجة في إطار البرنامج الوطني السابق لسنة 2005 دون أن تؤخذ بعين الاعتبار متطلبات إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، إذ لا تتجاوز قدرة المعالجة الثلاثية نسبة 18 بالمائة من قدرة المعالجة الإجمالية لهذه المحطات.
وأوضح التقرير أنه في غياب تخطيط لتثمين هذه المياه، يتم تصريف كميات كبيرة منها في الوسط الطبيعي رغم خضوعها لمعالجة ثلاثية تسمح بإعادة استعمالها، مما يعد ضياعا للجهود التي بذلت لمعالجتها، حيث بلغت القدرة الوطنية للمعالجة الثلاثية في سنة 2023 حوالي 231 مليون متر مكعب سنويا، من بينها 194 مليون متر مكعب لم يتم تثمينها، أي ما يمثل حوالي 84 بالمائة، في حين يعاد استعمال 37 مليون متر مكعب سنويا فقط.
وسجل المصدر ذاته، حسب المعطيات المتوفرة، أن قدرة المعالجة الثلاثية لمياه الصرف الصحي التي يتوفر عليها المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب تبلغ حوالي 107 مليون متر مكعب سنويا، غير أن القدرة المستغلة فعليا في مشاريع إعادة الاستعمال لا تتجاوز 40 مليون متر مكعب، أما الحجم الذي يعاد استعماله فعليا مع فوترته فلم يتجاوز 4,1 مليون متر مكعب سنة 2024، ويرجع ذلك إلى كون الحجم الفعلي المعاد استعماله يعتمد على مدى الطلب المعبر عنه من طرف مستعملي المياه المعالجة، في حين توجد قيد الإنجاز تسعة مشاريع من شأنها رفع قدرة محطات معالجة المياه العادمة التابعة للمكتب الموجهة لإعادة الاستعمال بحوالي 17 مليون متر مكعب.
وأبرز التقرير أن التأخر في إدماج إعادة الاستعمال في الاستراتيجيات والبرامج العمومية يطرح إشكالية تصميم شبكات التطهير بست مدن ساحلية هي الدار البيضاء والرباط وسلا وطنجة وتطوان والجديدة، حيث تتم المعالجة الأولية لأجل التصريف في البحر فقط، ولا يتوافق تصميم هذه الشبكات مع متطلبات إعادة استعمال المياه المعالجة، ويبلغ إجمالي قدرة تصريف المياه العادمة في هذه المدن حوالي 2,3 مليون متر مكعب في اليوم، أي ما يعادل 67 بالمائة من القدرة الوطنية لتصريف المياه العادمة، ويتطلب تكييف شبكات التطهير هاته الموصولة بالمصبات البحرية استثمارات وتكاليف تشغيلية كبيرة من أجل استغلالها في إعادة استعمال المياه المعالجة.
وأشارت وزارة الداخلية في هذا الصدد إلى أنه تم إنجاز مشاريع إعادة استعمال المياه العادمة منذ سنة 2008 رغم عدم إدراجها بالاستراتيجيات والبرامج الوطنية، كما تم ابتداء من سنة 2019 إدراج إعادة استعمال المياه العادمة في إطار البرنامج الوطني للتطهير السائل المندمج وإعادة استعمال المياه العادمة.
ورصد المجلس تأخرا في اعتماد النصوص التنظيمية المتعلقة بالمياه غير الاعتيادية، فرغم دخول القانون المتعلق بالماء رقم 36.15 بتاريخ 10 غشت 2016 حيز التنفيذ منذ سنة 2016، إلا أنه وإلى غاية نهاية سنة 2024 لم يتم بعد إصدار تسعة من نصوصه التطبيقية المتعلقة بتعبئة الموارد المائية غير الاعتيادية، ولا سيما النص التنظيمي المتعلق بكيفية إعداد والمصادقة على عقد الامتياز الخاص بتحلية المياه ودفتر التحملات المرتبط به، ويعزى هذا التأخر إلى بطء المشاورات بين القطاعات المعنية، كما أن مجال تصريف المياه المالحة المركزة الناتجة عن محطات التحلية في السواحل لم يتم تأطيره على المستوى التنظيمي، فإلى حدود نهاية سنة 2024 لا يوجد أي نص تنظيمي يتطرق بشكل واضح لمختلف الجوانب المتعلقة بتدبير هذه المياه.
وتابع التقرير أنه في ما يخص إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وإلى غاية نهاية سنة 2024 أي بعد أكثر من ثمان سنوات على صدور القانون المتعلق بالماء سالف الذكر، لم يتم اعتماد أي نص تطبيقي بهذا الشأن، ويتعلق الأمر أساسا بمعايير الجودة المطلوبة للمياه المعاد استعمالها حسب طبيعة الاستعمال والاستغلال، وكذا بكيفية منح تراخيص إعادة الاستعمال وتتبع جودة المياه العادمة المعالجة من طرف المستعمل أو المالك أو المدبر، بالإضافة إلى كيفية تقديم الدعم المالي والمساعدة التقنية لإعادة الاستعمال ومعالجة الأوحال الناتجة على معالجة المياه العادمة.
وأضاف المصدر ذاته أن القانون يحيل على نصين تطبيقيين يتعلقان بتثمين واستخدام مياه الأمطار، إلا أنه وإلى حدود نهاية سنة 2024 لم يتم اعتماد هذين النصين، وما زالت وزارة التجهيز والماء في طور إعداد مشروع مرسوم بهذا الخصوص، إذ لا يزال في مرحلة تجميع الملاحظات التي تبديها القطاعات المعنية بشأنه.
وأكد التقرير على ضرورة وضع إطار مؤسساتي واضح للموارد المائية غير الاعتيادية، حيث تقوم وزارة التجهيز والماء بمهمة تخطيط الموارد المائية غير الاعتيادية وتعنى وكالات الأحواض المائية بهذه المهمة على مستوى كل حوض مائي، بينما يتولى المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب مسؤولية التزويد بمياه الشرب ويقوم بإنجاز محطات للتحلية، كما تساهم كل من وزارة الداخلية والوزارة المكلفة بالفلاحة في إنجاز هذه المحطات، ويتطلب هذا التعدد في الفاعلين وضع آليات للتنسيق المستمر، خصوصا في غياب إشراف تقني من وزارة التجهيز والماء على المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، وقد توسعت دائرة الأطراف الفاعلة في هذا المجال لتشمل مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط الذي أنجز عددا من المشاريع المهمة لتحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.
وذكر التقرير أن وزارة الداخلية تعتبر الفاعل الرئيسي في قيادة مشاريع إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة إلى جانب عدد من المتدخلين الآخرين من ضمنهم الجماعات والوكالات المستقلة للتوزيع والشركات الخاصة للتدبير المفوض والشركات الجهوية متعددة الخدمات، وأمام هذه الوضعية التي تتميز بتعدد المتدخلين وتفاوت مستوياتهم أضحى من الضروري وضع إطار مؤسساتي يشمل الموارد المائية غير الاعتيادية من أجل تنسيق الجهود وضمان الشروط اللازمة للاستفادة من التجارب المتراكمة في هذا المجال وتعزيز نجاعة الاستثمارات المبرمجة وتتبعها منذ مرحلة إطلاق الدراسات إلى غاية مرحلة الاستغلال والصيانة.
المصدر:
العمق