آخر الأخبار

خبير دولي: ما يحدث في “إيش” بـفكيك تضليل كبير ومحاولة لاستدراج المغرب (حوار)

شارك

في خضم التطورات الميدانية المقلقة التي تشهدها المنطقة الحدودية “إيش” بإقليم فكيك، حيث أقدم الجيش الجزائري مطلع فبراير الجاري على تغيير معالم الحدود بشكل أحادي مصحوبا باستفزازات عسكرية، تعود الذاكرة المؤلمة لتستحضر سيناريو اقتطاع “العرجة” وحوادث استهداف المدنيين المغاربة. وأمام هذا الوضع، تبرز تساؤلات ملحة حول طبيعة هذا التصعيد؛ فهل نحن أمام إجراءات تقنية لتنفيذ اتفاقية الحدود لعام 1972 كما يُروج، أم أننا بصدد محاولة لفرض أمر واقع جديد ومناوشات محسوبة تستهدف جر المغرب إلى رد فعل عسكري يكسر حالة الجمود الدبلوماسي؟

وفي هذا السياق، قال الخبير في العلاقات الدولية، أحمد نور الدين في حوار مع جريدة “العمق” إن ما أقدمت عليه الجزائر في منطقة “إيش” لا يمكن تسويغه بأي حال من الأحوال بتنفيذ اتفاقية 1972، واصفاً هذا التبرير بـ”عملية تضليل كبرى” لا يصدقها عقل أمام دولة تغلق مجالها الجوي حتى في وجه الحجاج وتشن حرباً دبلوماسية وإعلامية شاملة. وأكد الخبير أن هذا التعدي ليس حدثاً معزولاً، بل يندرج ضمن “طوفان عدائي” ممنهج وتصعيد هستيري بدأ منذ 2021، شمل قتل المدنيين بدم بارد، واقتطاع واحة العرجة، ومحاربة المصالح المغربية اقتصادياً ورياضياً، مما يؤكد نوايا النظام الجزائري في استهداف سيادة المملكة ومواطنيها بشكل مستمر.

وعن خلفيات هذا التصعيد، أوضح المتحدث أن الجزائر، التي تخصص ميزانيات ضخمة للتسلح، تسعى يائسة لاستدراج المغرب إلى حرب مفتوحة كخيار “انتحاري” للهروب من أزماتها الداخلية الخانقة وعزلتها الدولية. وفي حين أشاد بوعي المغرب الاستراتيجي الذي يرفض الانجرار وراء توقيت العدو ويركز على تعميق الفوارق التنموية والعسكرية لصالحه، فقد دعا نور الدين الدولة المغربية إلى الخروج من دائرة الصمت عبر تدويل هذه الانتهاكات وتوثيقها لدى المنظمات الأممية، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة تحمل الدولة لمسؤوليتها الداخلية في تعويض الضحايا مادياً ومعنوياً عن الأراضي والممتلكات التي تم السطو عليها.

وفيما يلي نص الحوار كاملا:

1. كيف تقرؤون هذا التصعيد الميداني الجديد الذي يأتي بعد سنوات قليلة من سيناريو ‘العرجة’ وأيام من مقتل مغاربة برصاص الجيش الجزائري؟

ما قامت به الجزائر يوم الأربعاء 04 فبراير 2026 لا يمكن التعامل معه بسطحية أو باستخفاف، ولا يمكن تبريره بوضع معالم الحدود وفقاً لاتفاقية 1972. هذا سيكون بمثابة “استحمار” للمغاربة، وأعتذر عن المصطلح، لأن هذا العمل العدائي على ممتلكات المغاربة في مركز إيش القروي بإقليم فكيك، واقتطاع مساحات جديدة من أراضي المزارعين التي توارثوها قروناً عن آبائهم وأجدادهم، ليس عملاً معزولاً، بل يندرج في سلسلة من الأعمال العدائية والعدوانية على الدولة المغربية وعلى المواطنين البسطاء من الفلاحين والكسَّابة.

وكما أشرتم إليه، تم اقتطاع واحة العرجة بفكيك في 18 مارس 2021، وقُتل ثلاثة شبان برصاص الجيش الجزائري قبل أيام قليلة من اليوم على الحدود، وقبلها قُتل ثلاثة شبان في شاطئ السعيدية كانوا يلعبون بدراجاتهم المائية، وتم الاعتداء على لاعبي كرة القدم أقل من 17 سنة في وهران من طرف الجمهور ومن طرف قوات الأمن الجزائرية، وتم منع رفع العلم المغربي في ملعب كرة قدم في تظاهرة دولية أخرى في العاصمة الجزائرية، وتم بتر النشيد الوطني في تظاهرة رياضية دولية في الجزائر، وتم احتجاز فريق الصحافيين المغاربة في المطار، وصودرت كاميراتهم.

وتم احتجاز جثث الشباب الذين قُتلوا بالرصاص، وتم إصدار قرارات حكومية جزائرية تمنع الأساتذة الجامعيين الجزائريين من المشاركة في الندوات العلمية بالمغرب، وتم منعهم حتى من نشر مقالات أو بحوث في المجلات المغربية، وتم منع الشركات المغربية من المشاركة في طلبات العروض والصفقات بقرارات الحكومة الجزائرية، وتم منع الشركات الجزائرية من مرور بضائعها المستوردة عبر ميناء طنجة المتوسط أو أي ميناء مغربي، وهناك عدد آخر لا يعد ولا يحصى من الأعمال العدوانية التي لا تصل إلى وسائل الإعلام تتعلق باختطاف قطعان الماشية أو رمي المغاربة بالرصاص بشكل يكاد يكون مستمراً طوال السنة ومنذ عقود.

وعلى المستوى العسكري، تجري الجزائر بشكل دائم مناورات بالرصاص الحي على التماس مع الحدود مباشرة، وهو عمل يعد من الأعمال الحربية، فضلاً عن قطع الأجواء في وجه الطائرات المدنية بما فيها طائرات الحجاج المغاربة إلى مكة المكرمة. ولا يمكن أن نحصر قوائم الأعمال العدوانية التي تزايدت وتيرتها بشكل هستيري منذ 2021 بشكل خاص، تاريخ إعلان الجزائر بشكل أحادي قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب.

وهذه الاعتداءات تشمل كل جوانب الحياة من التراث المغربي بكل أصنافه، إلى حملات التشهير والتضليل على الإعلام الرسمي، إلى التصريحات المستفزة لرئيس الدولة الجزائرية ورئيس أركان الجيش وكل المسؤولين الكبار. بل إن الأمور بلغت حد مخطط شيطاني لإفشال تنظيم كأس أفريقيا بالمغرب، من خلال استراتيجية إعلامية شنت حرباً شاملة على مدى شهور قبل التظاهرة الرياضية وأثناءها وبعدها، وقد تسببت في الأزمة التي عرفتها المباراة النهائية لكأس أفريقيا كما تابع الجميع. ناهيك عن الحرب الدبلوماسية المستمرة دون توقف في كل المحافل الدولية ضد المغرب ووحدته الترابية ورموز سيادته.

أمام هذا الطوفان العدائي، لا يمكن أن نغطي الشمس بالغربال ونزعم أن الاعتداء على أراضي ساكنة إيش، واقتطاع جزء من مزارعهم يدخل في إطار تنفيذ اتفاقية الحدود، فلا أحد سيصدق ذلك أمام الوقائع، بل لا أحد يمكنه أن يتصور أصلاً أن الجزائر التي حاربت المغرب خلال نصف قرن، والجزائر التي تقطع مجالها الجوي على الحجاج المغاربة، لا يمكن أن نتصور ولو في الخيال العلمي أنها كانت تسمح باستغلال أراضٍ جزائرية طيلة هذه المدة من طرف المغاربة. هذه أكبر عملية تضليل للرأي العام، وعلينا أن نساهم في فضحها لا في الترويج لها عن غير قصد.

2. هل يمكن اعتبار هذه التحركات محاولة لفرض أمر واقع جديد يتجاوز اتفاقية ترسيم الحدود لعام 1972، أم أنها مجرد مناوشات تستهدف جر المغرب إلى رد فعل عسكري في ظل الجمود الدبلوماسي الحالي؟

ليس سراً أن الجزائر تسعى إلى الحرب مع المغرب منذ سنوات، ويكفي أن نشير إلى ميزانيتها العسكرية التي بلغت هذه السنة وحدها 25 مليار دولار، ليتضح أنها ميزانية حرب وليست ميزانية دفاع، وعلينا أن نعلم أنها منذ خمس سنوات وهي تتجاوز العشرين مليار دولار، ومنذ 15 سنة لم تنزل ميزانية الجيش الجزائري عن 10 مليارات دولار. هذا أمر بديهي، وقد تضاعفت الاستفزازات على طول الحدود المغربية الجزائرية التي يتجاوز طولها 1600 كلم.

والمغرب يعلم ذلك جيداً وشرع منذ عشر سنوات في مخططات لتحديث القوات المسلحة الملكية، وللتصنيع العسكري، ودخلنا في شراكات استراتيجية مع حلفاء كلاسيكيين وحلفاء جدد، وتم إحياء قانون التجنيد الإجباري، وغير ذلك من الإجراءات الاستراتيجية والتكتيكية. وطبعاً، أي خبير استراتيجي سيجيبك أنه من أكبر الأخطاء أن يستدرجك العدو إلى حرب هو من يختار توقيتها أو مكانها، لذلك إذا كانت الحرب أمراً حتمياً تسعى إليها الجزائر، فعليك ألا تسايرها في التوقيت والمكان الذي تريده، بل عليك أن تختار أنت متى وأين تخوضها. لذلك فإن المغرب لا يستجيب للاستفزاز الجزائري لجره نحو حرب تريدها الجزائر منذ سنوات كخيار انتحاري أمام عجزها عن الخروج من أزماتها الداخلية وعزلتها الدولية.

المغرب يعلم أن كل سنة تمر، هي في صالح المغرب لأننا نوسع الهوة أو الفجوة مع العدو الجزائري على المستويات الصناعية والتكنولوجية والاستخباراتية والاقتصادية والعسكرية، وهذا ناتج عن أن المغرب لديه استراتيجيات متعددة الأبعاد للإقلاع الاقتصادي والصناعي تشهد بها الإنجازات على الأرض. وفي المقابل، كل سنة تمر على الجزائر إلا ويشتد الخناق أكثر فأكثر عليها اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وحتى عسكرياً من خلال صراع الأجنحة وأبرز مظاهره سجن حوالي أربعين جنرالاً وفرار آخرين إلى إسبانيا وفرنسا. حتى إن التقارير الدولية تكاد تجمع على أن الانفجار الكبير في الجزائر هو مسألة وقت فقط.

وهذا ليس من باب ضرب الخَط في الرمل أو التنبؤ بالغيب، بل من باب استقراء الأرقام والسياسات المتبعة في هذا البلد الذي يعتمد كلياً على ريع النفط والغاز، ولا يملك أي تصور اقتصادي أو سياسي للخروج من حالة الاحتقان والاحتباس الذي استفحل مع الحراك الشعبي في فبراير 2017، رغم أن جذورها تمتد إلى العشرية السوداء في التسعينات بعد انقلاب العسكر الجزائري على صناديق الاقتراع في يناير 1992.

ولكن مع تفهمنا للموقف الرسمي المغربي، إلا أننا لا يمكن أن نغض الطرف عن انتهاكات الجزائر لحقوق المواطنين المغاربة والاستيلاء على ممتلكاتهم. على الأقل، يجب أن تتحرك الدولة المغربية وتباشر المساطر الدبلوماسية لدى الأمم المتحدة وكل المنظمات الدولية والإقليمية المعنية، من أجل فضح الانتهاكات والاعتداءات الجزائرية، ومن أجل تسجيلها رسمياً في سجلاتها حتى نُكوّن ملفات صلبة وثقيلة عندما يحين وقت المحاسبة أو على الأقل وقت المفاوضات. وهذا أمر في متناول الدولة المغربية بل من واجبها، ولكن لحد الآن لم نر ولم نسمع أن الدولة المغربية قامت بذلك.

المسألة الثانية وهي داخلية، وتتعلق بتعويض المواطنين المتضررين من العدوان الجزائري سواء في قضية العرجة بفكيك 2021 أو اليوم في قضية إيش 2026، وقبل ذلك في قضايا كثيرة منها واحات زوزفانة بفكيك أيضاً والتي تم التنازل عنها في اتفاقية 1972 دون تعويض المواطنين وذوي الحقوق، ونفس الشيء بالنسبة للملف الثقيل لضحايا الطرد التعسفي القسري والجماعي من الجزائر سنة 1975 في عيد الأضحى، وغيرها من الملفات.

فالمواطنون قد يتفهمون الحسابات الجيوسياسية وحكمة العقل الاستراتيجي للدولة المغربية في التعاطي مع استفزازات الجزائر، ولكن الحكمة أيضاً تفرض على الدولة أن تتخذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية على مستوى المنظمات الدولية، وأن تتحمل الدولة داخلياً تعويض الضحايا المغاربة عن كل شبر من الأرض تم اقتطاعه، وعن كل درهم من الخسائر، وعن كل روح سقطت برصاص العدو الغادر.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا