آخر الأخبار

الوقف الصحي في المملكة المغربية .. من "البيمارستان" إلى المنصة الرقمية

شارك

أكد المهدي قيل، أستاذ محاضر بالمعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة بالرباط، أهمية اعتماد مقاربة “الوقف الصحي في المغرب”. وبعد تطرقه للدور التاريخي للوقف الصحي في المغرب، والتحديات التي يواجهها اليوم، بسَطَ “اقتراحَ إحداث وقف صحي إلكتروني كآلية مبتكرة لدعم المنظومة الصحية وتعزيز التضامن المجتمعي”.

وأضاف مبرزا أنه “في سياق إعادة هيكلة المنظومة الصحية الوطنية، يتجدّد طرح تساؤل جوهري يجمع بين إرث التاريخ ومتطلبات الحاضر: هل يمكن للوقف، بمنطقه التضامني طويل الأمد، أن يجدد دوره كآلية فعالة لتمويل الرعاية الصحية وتوسيع الولوج إلى العلاج؟. وزاد مستدلا بأحدث إحصاءات وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لعام 2024، حيث الأرقام تكشف “واقع الحاجة الملحّة في القطاع العام”: 2206 مؤسّسات للرعاية الصحية الأولية، و177 مستشفى، مع نحو 28 ألف سرير؛ في حين لا تزال كثافة الموارد البشرية محدودة، إذ لا تتجاوز 8,2 طبيب، و13,5 ممرضين و1,4 أطباء أسنان و9,8 أسرّة مستشفيات لكل عشرة آلاف نسمة وفق معايير منظمة الصحة العالمية”.

ولفت المهدي قيل، ضمن مقال توصلت به هسبريس بعنوان: “الوقف الصحي في المغرب.. من مارستانات (Maristan) الأمس إلى منصات الغد”، إلى أن “هذه المؤشّرات لا تقتصر على كونها مجرّد بيانات إحصائية تقنية؛ بل هي تُعبّر عن فجوة حقيقية بين الطلب الاجتماعي المتصاعد على الخدمات العلاجية وبين القدرة الفعليّة على الاستجابة له. ومن هنا، يتجلّى دور الوقف التاريخي، الذي صُمّم أصلا لسدّ مثل هذه الفجوات عبر تمويل مستدام غير مقيّد بتقلبات الظروف الماليّة العابرة. إن إعادة إدماج هذا الوقت، اليوم، في منظومة الصحّة لا تشكّل مجرّد استعادة لتراث الماضي؛ بل هي استشراف استراتيجيّ لآلية تمويل اجتماعيّة تكمّل الميزانيّة العامّة والتأمين الصحي موجّهة نحو معالجة النقائص الدقيقة كتوريدِ الأجهزة الطبية وتأمين الأدوية ثم إنشاء وحدات متنقّلة، إضافة الى تعزيز خدمات القرب من المواطن”.

نص المقال:

تُعرّف مدونة الأوقاف في التشريع المغربي الوقف بأنه حبس أصل المال، أي تثبيت ملكيته ومنع التصرف فيه، مع تخصيص منافعه لجهات البر والإحسان، ويمكن إنشاء الوقف بمقتضى عقد أو وصية أو بناء على حكم القانون كما يصنف حسب طبيعته إلى وقف عام أو خاص أو مشترك، تبعا للجهة المستفيدة منه والمقصد الذي أنشئ لأجله.

أما في الذاكرة الحضرية المغربية، فتحتل مؤسسة البيمارستان –أو “المارستان” كما جرى تداولها في اللسان المغربي– مكانة بارزة بوصفها شكلا مبكرا للمستشفى، حيث ارتبط ظهورها بتطور بنية الدولة ونشوء أنماط متقدمة من الرعاية الاجتماعية وممارسة العلوم الطبية. وتشير الدراسات التاريخية المتخصصة في موضوع “البيمارستانات بالمغرب” إلى أن هذه المؤسسة أخذت تتبلور بشكل واضح منذ العصر الموحدي، ثم عرفت توسعا ملموسا خلال العهد المريني، الذي تميز ببناء عدد من المؤسسات المخصصة للعناية بالمرضى وتقديم الرعاية الصحية لهم. وتجدر الإشارة إلى أن لفظة “بيمارستان” أصلها فارسي، مركبة من كلمتي “بيمار” وتعني مريض، و”ستان” وتعني دار، وقد شاع بين المغاربة اختصارها في لهجتهم إلى “مارستان”.

لا تكمن أهمية البيمارستانات في بُعدها المعماري فحسب؛ بل تتجلى أساسا في منطقها التموِيلي، إذ توضح أدبيات عربية متخصصة في موضوع الوقف الصحي أن السلاطين دأبوا على تخصيص عقارات وأملاك موقوفة لهذه المؤسسات، لضمان ديمومة مواردها المالية وتغطية نفقات التسيير والتجهيز والصيانة، فضلا عن تأمين احتياجات المرضى من الأدوية والأغذية.

وبناء على ما تورده الدراسات التاريخية، فقد شهد المغرب ازدهار عدد من البيمارستانات في كبريات مدنه، وكان من أشهرها في العهد المريني بيمارستان سيدي فرج بمدينة فاس.

ويُذكر أن أول بيمارستان تأسس في مراكش سنة 1184م (585هـ) على يد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور، وقد عُدّ في زمانه من أكثر المؤسسات الطبية تقدما، إذ كان يقدم خدماته العلاجية مجانا لجميع المرضى دون تمييز، سواء من المقيمين أو الوافدين من خارج المدينة. ومع مرور الزمن، وخصوصا خلال العهد المريني، توسعت شبكة البيمارستانات لتشمل مدنا رئيسية أخرى كفاس وسلا والرباط ومكناس وآسفي وتازة؛ مما يعكس توجه الدولة نحو ترسيخ الرعاية الصحية المؤسسية..

أما بيمارستان سيدي فرج، الذي تأسس بمدينة فاس سنة 1286م (685هـ)، فقد أصبح نموذجا رائدا في تنظيم العمل الصحي على أساس الوقف، واستمر في أداء وظائفه حتى سنة 1944م؛ الأمر الذي يجسد استدامة هذا النمط من المؤسسات.

من ثمّة يستخلص الأستاذ المحاضر ذاته أن “الوقف الصحي لم يكن مجرد عمل خيري عابر؛ بل شكّل آلية مالية مؤسسية تؤمّن تمويلا دائما للرعاية الصحية، وتضمن استمرارية خدماتها. وهو ما يضفي على فكرة إحياء هذا النموذج اليوم بعدا اقتصاديا واجتماعيا عميق الدلالة”.

أين تقف المنظومة الصحية المغربية اليوم؟

قدّم الأستاذ الباحث، في مقاله، “سؤالا جوهريا يصعب مقاربته من منظور إنشائي صرف، إذ تقتضي الموضوعية العلمية وضع الوقف ضمن إطار حاجات واقعية قابلة للقياس”.

تكشف المعطيات الإحصائية الحديثة عن حجم التحديات الصحية التي يواجهها المجتمع المغربي، حيث يفتح عبء الأمراض المزمنة مجالا واسعا لتدخل الوقف الصحي في ميادين الوقاية والكشف المبكر ودعم العلاج المستدام. ووفق إحصاءات سنة 2024، يمكن رصد المؤشرات التالية: معدل السمنة بلغ 28.86 في المائة، وانتشار داء السكري وصل إلى 9.43 في المائة؛ بينما تصل نسبة التدخين اليومي بين البالغين 13.82 في المائة، وتوزيع التدخين حسب الجنس: 26.85 في المائة لدى الذكور و73.15 في المائة لدى الإناث، وبلغ الإنفاق الصحي حوالي 6.25 في المائة من الناتج الداخلي الخام، أي ما يقارب 9.25 مليار دولار.

وتؤكد هذه الأرقام أن التوجه نحو تعزيز الوقف الصحي أصبح ضرورة ملحة، ليس فقط لتمويل العلاج؛ بل كذلك لتفعيل دوره الوقائي عبر دعم حملات التوعية، وتمويل برامج الكشف المبكر، والمساهمة في مواجهة الأمراض المزمنة. إن تكلفة الوقاية، من منظور اقتصادي واجتماعي، تقل بكثير عن كلفة العلاج في مراحله المتقدمة؛ الأمر الذي يجعل من تفعيل الوقف في المجال الصحي خيارا استراتيجيا ذا أبعاد مستدامة.

الوقف الصحي المعاصر والمبادرات المؤسساتية

في سياق حديثه عن الوقف الصحي المعاصر، استشهد كاتب المقال بـ”مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين”. وتابع بأن هذه المؤسسة “تعد نموذجا للوقف المؤسساتي، حيث بلغ عدد منخرطيها حتى شتنبر 2024 حوالي 106 آلاف و727 منخرطا. تقدم المؤسسة خدمات متنوعة تشمل المساعدات الطبية الاستثنائية وتحمّل مصاريف علاج ذوي الاحتياجات الخاصة (95.7 في المائة).

الوقف الإلكتروني.. “نموذج تمويل مستدام”

اقترح الأستاذ المحاضر بالمعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة بالرباط “نموذجا لمشروع إنشاء منصة وقف صحي” بالمغرب.

أولا: البنية الرقمية والتشغيلية

وفق تصوره، يعتمد مشروع الوقف الصحي على منصة رقمية مركزية متطورة، صُممت لتكون حلقة وصل تفاعلية ومباشرة بين المانحين والاحتياجات الطبية الملحة. وتتولى هذه المنصة وظائف حيوية تشمل اختيار المشاريع بدقة، والمتابعة الآنية لتنفيذها في الوقت الحقيقي، مع إصدار تقارير رقمية شفافة؛ بهدف أساسي وهو الحد من العجز الملحوظ في الموارد المالية والبشرية في المجال الصحي.

ثانيا: الابتكار في آليات التمويل

لضمان استدامة الموارد وتوسيع قاعدة المساهمين، يتبنى المشروع أدوات مالية حديثة تواكب العصر الرقمي، حيث يتم توظيف تقنيات الفينتك (Fintech) وسلسلة الكتل (Blockchain)، بالإضافة إلى نظام “الميكرو وقف” (Micro Waqf). تتيح هذه الأدوات تمويل احتياجات المستشفيات والمراكز الطبية بشكل مرن؛ مما يسمح لكافة فئات المواطنين بتقديم تبرعاتهم ومساهماتهم وفقا لقدراتهم المالية المختلفة.

ثالثا: الإطار القانوني والحكامة

يستمد المشروع مشروعيته ومصداقيته من إطار قانوني ومؤسسي صلب يستند إلى “مدونة الحُبوس”، مما يضمن استقلاله المالي وقدرته على مراقبة الامتثال للمعايير التنظيمية. ويهدف هذا الإطار إلى ضمان توافق كافة العمليات والأنشطة مع المعايير الشرعية؛ مما يعزز ثقة الواقفين والمانحين في النظام.

رابعا: الأهداف الاستراتيجية والأثر الصحي

يسعى المشروع استراتيجيا إلى توجيه المساعدات نحو الاحتياجات العاجلة وسد الثغرات في المراكز الصحية والمشاريع الوقفية الخيرية، لتلبية الطلب المتزايد على الرعاية الطبية. كما يطمح المشروع إلى تحقيق التكامل مع نظام الحماية الاجتماعية، ليكون رافدا مكملا للتأمين الصحي الإجباري (AMO)، خاصة في مجالات تغطية تكاليف الأدوية غير القابلة للتعويض؛ مما يضمن حماية شاملة للمواطنين ويغطي الفجوات القائمة في نظام الرعاية الحالي.

ختاما، لا تكمن الغاية من الوقف الصحي في أن يحل محل ميزانيات الدولة أو منظومة التأمين الصحي؛ بل في أن يعمل كرافعة مرنة ومستدامة تدعم المنظومة الصحية في نقاط محددة ذات أثر مرتفع، مثل تمويل التجهيزات وتعزيز برامج الوقاية وتمكين مبادرات القرب الصحي، إضافة إلى المساهمة في تخفيف الضغط على المرافق العمومية حيث تكون التكلفة الاجتماعية أعلى.

إن الوقف الصحي في المغرب يشكل اليوم جسرا يربط بين عظمة الماضي وتحديات الحاضر وآمال المستقبل؛ فاستعادة تجربة البيمارستان بروح عصرية، مؤطرة بتشريع حديث وآليات تمويل مبتكرة، يمكن أن تجعل من الوقف شريكا استراتيجيا في ترسيخ السيادة الصحية الوطنية وتحقيق العدالة في الولوج إلى الخدمات الصحية.

إن نجاح هذا المشروع الطموح يظل رهينا بقدرة الإدارة الوقفية على ترسيخ الثقة مع المجتمع، وتحويل الوقف من مجرد صدقة جارية فردية إلى منظومة تنموية متكاملة تضمن لكل مواطن مغربي حقه في الصحة، وفاء لمقاصد الشريعة الإسلامية واستجابة للتحديات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا