آخر الأخبار

أما بعد: فيضانات القصر الكبير.. “برافو” الدولة

شارك

لم تكن الأمطار الطوفانية التي شهدتها مدينة القصر الكبير ونواحيها مؤخرا مجرد اختبار لقدرة البنية التحتية على الصمود، بل كانت، وبشكل أكثر عمقا، اختبارا لعقيدة “التدبير الاستباقي” التي باتت الدولة المغربية تسعى لترسيخها.

ففي الوقت الذي اعتدنا فيه، لسنوات خلت، أن نرى مشاهد الأسى والحسرة تتصدر العناوين عقب كل تقلب مناخي حاد، جاءت تجربة القصر الكبير لتكسر هذه القاعدة، ولتقدم درسا بليغا في كيفية تحويل “الخطر الداهم” إلى “أزمة مسيطر عليها”، وتجنيب البلاد والعباد مآسي نحن في غنى عنها.

إن ما شهدته مدينة القصر الكبير من تدخل استباقي للسلطات المحلية والإقليمية، بتوجيهات مركزية صارمة، يستحق وقفة إشادة وتحليل.

فالدولة لم تنتظر أن تغمر مياه “وادي اللوكوس” المنازل لتبدأ في إحصاء الخسائر، بل تحركت الآلة التدبيرية بمنطق “الاستشراف” قبل وقوع الكارثة.

عمليات إخلاء الساكنة من المناطق المهددة، تأمين الممتلكات، استنفار الآليات اللوجستية، والتواصل المستمر مع المواطنين؛ كلها مؤشرات تدل على أننا أمام “منطق دولة” جديد، يقطع مع الارتجالية ويعلي من شأن التخطيط وقيمة الروح البشرية.

هذا النجاح الميداني في تدبير أزمة الفيضانات لا يمكن قراءته بمعزل عن الدينامية العامة التي يعيشها المغرب. إنه، في جوهره، امتداد لنفس الروح التي صنعت “المعجزة الرياضية” المغربية في السنوات الأخيرة.

فكما نجح المغرب في إبهار العالم بتنظيمه، وبلوغ منتخبه الوطني المربع الذهبي في كأس العالم، وكما نجح في نيل شرف تنظيم كبرى التظاهرات القارية والعالمية، آخرها كأس إفريقيا، فإنه يثبت اليوم في مدين القصر الكبير أن “معادلة النجاح” واحدة، سواء كانت في ملعب كرة قدم أو في وادٍ يفيض. إنها معادلة تقوم على؛ الجدية، التخطيط المسبق، الثقة في الكفاءات الوطنية، وتغليب المصلحة العليا.

إن طموح المغاربة اليوم يتجاوز مجرد التصفيق لهذا التدخل الناجح؛ إنه طموح مشروع في أن يتحول ما حدث في القصر الكبير من استثناء محمود إلى “قاعدة عامة” تسري في شرايين الدولة بجميع جهات المملكة.

فالمواطن المغربي يطمح أن يرى هذا “الذكاء التدبيري” وهذه “الاستباقية” معممة على قطاعات الصحة، التعليم، الإدارة، والاستثمار، تماما كما عممت الروح القتالية لـ”أسود الأطلس” مشاعر الفخر في كل بيت.

إن الرسالة التي بعثتها السلطات من قلب القصر الكبير واضحة؛ الدولة قادرة، وحاضرة، ومستعدة. ولكن التحدي الأكبر يكمن في “مأسسة” هذا النجاح.

نريد أن نرى هذا النموذج في أعالي الجبال عند تساقط الثلوج، وفي القرى النائية عند اشتداد الحر، وفي الإدارات العمومية عند قضاء مصالح المواطنين. نريد أن ننتقل من “مغرب رد الفعل” إلى “مغرب الفعل والمبادرة”.

فالتدخل الاستباقي في القصر الكبير هو برهان ساطع على أن المغرب يمتلك الأدوات والكفاءات اللازمة لحماية مواطنيه وصون كرامتهم.

وما نأمله اليوم، هو أن تكون هذه المحطة بداية لتعميق هذا المنطق في مختلف ربوع الوطن، لنسير بخطى ثابتة نحو مغرب لا يكتفي بصناعة الأمجاد في الرياضة فحسب، بل يصنع “بطولات يومية” في التنمية، والحكامة، وحماية الإنسان.

فشكرا لكل يد ساهمت في حماية الأرواح في القصر الكبير، ولتكن هذه التجربة نبراسا يُهتدى به لتعميم ثقافة “النجاح والجدية” في كل شبر من هذا الوطن العزيز.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا