آخر الأخبار

وثائقي يستعيد تجربة عمران المالح

شارك

في خطوة فنية جديدة تعكس انشغاله المتواصل بأسئلة الذاكرة والهوية، يعود المخرج المغربي حسن بنجلون إلى القاعات السينمائية الوطنية مع بداية السنة الجديدة بشريط وثائقي جديد يسلط الضوء على المسار الإبداعي للموسيقي عمران المالح، أحد الأسماء البارزة التي بصمت على تجربة فنية متفردة في مزج الإيقاعات المغربية مع موسيقى الجاز العالمية.

يأتي هذا العمل، بعد فترة من التألق في عدد من الأفلام الروائية الطويلة، ليؤكد مرة أخرى تنوع اختيارات بنجلون الفنية وحرصه على الانتقال بسلاسة بين الروائي والوثائقي دون التفريط في هاجسه الأساسي المرتبط بتوثيق تجارب إنسانية وثقافية شكلت جزءا من الذاكرة الفنية المغربية وظلت لسنوات بعيدة عن الأضواء.

هذا الشريط الوثائقي، الذي يمتد على مدار 70 دقيقة، لا يكتفي بسرد السيرة الفنية لموسيقي استثنائي، بل يغوص عميقا في رحلة حياة بدأت منذ أربعينيات القرن الماضي في قلب مدينة الدار البيضاء. ويرصد الفيلم سيرة عمران المالح، الملقب بـ“الكناوي الأبيض”، وهو الوصف الذي أطلقه عليه الراحل العربي الصقلي، في إحالة رمزية على فرادته الموسيقية وقدرته على استيعاب تعددية ثقافية غنية تشكلت داخل بيئة طبعتها روافد يهودية وأمازيغية ومسلمة ومسيحية داخل العاصمة الاقتصادية.

ويبرز العمل كيف أسهم هذا التنوع الثقافي في تشكيل وعي عمران المالح الفني المبكر، قبل أن ينفتح لاحقا على موسيقى العالم، خاصة الجاز والروك، إلى جانب “الدقات المغربية” التي شكلت النواة الأولى لإحساسه العميق بالإيقاع، وجعلت منه موسيقيا قادرا على إعادة تركيب الأجناس الموسيقية في صيغة خاصة به.

وكما هو الحال في أعماله السابقة، يجعل حسن بنجلون من ثنائية الذاكرة والهوية خيطا ناظما لهذا المشروع السينمائي؛ إذ يقدم في شريطه الوثائقي عمران المالح، المعروف أيضا باسم “جوك”، بوصفه عاشقا للموسيقى و”أركيولوجيا” حقيقيا للجاز في المغرب، كرس حياته بالكامل للإيقاع، بحثا وتنقيبا وتجريبا.

ويكشف الفيلم كيف استلهم عمران المالح من مدينته الأم، الدار البيضاء، التي كانت في تلك المرحلة فضاء نابضا بالفنانين والمبدعين، ليصوغ رؤية موسيقية خاصة أعاد من خلالها تركيب الأنماط الموسيقية وتحويلها إلى جاز بنكهة مغربية خالصة. فمنذ ستينيات القرن الماضي، أثبت نفسه كعازف إيقاع وموسيقي جاز، قبل أن يبلور موقفا نقديا من الجاز الأفرو-أمريكي الكلاسيكي، معتبرا أنه همش إيقاعات شمال إفريقيا ولم يمنحها مكانتها المستحقة.

جدير بالذكر أن مسار إنجاز هذا الشريط الوثائقي لم يكن يسيرا؛ إذ استغرق تصويره أزيد من خمس سنوات، وجاء ثمرة إنتاج مشترك، ما يعكس حجم الجهد المبذول في إنجاز فيلم يوثق لذاكرة موسيقية استثنائية، ويعيد الاعتبار لأحد روادها، من خلال قراءة سينمائية تمزج بين التوثيق الفني والبعد الإنساني، في عمل يراهن على الإنصات للتجربة بقدر ما يراهن على حفظ الذاكرة.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا