اعتبر فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب أن تقرير رئاسة النيابة العامة حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة برسم سنة 2024 “ليس فقط كوثيقة إحصائية أو سردية لعمل هذه المؤسسة؛ بل يشكل أداة تقييم موضوعي لمسار تنفيذ السياسات ذات الصلة، ومرآة تعكس حجم التحولات التي تعرفها المؤسسة منذ استقلالها، ومدى قدرتها على التوفيق بين حماية النظام العام وصيانة الحقوق والحريات”.
وأورد الحسين بن الطيب، النائب عن فريق “الحمامة” بالغرفة الأولى من المؤسسة التشريعية، خلال اجتماع لجنة العدل والتشريع بالغرفة ذاتها، مساء الثلاثاء، أن التقرير المشار إليه حمل “مؤشرات دالة”؛ في مقدمتها “الارتفاع الملحوظ في عدد قضاة النيابة العامة، الذي بلغ 1223 قاضيا سنة 2024، مقابل 1087 سنة 2023، وهو تطور مهم يعكس مجهودا مؤسساتيا في تعزيز الموارد البشرية، رغم استمرار ضغط الملفات وارتفاع متوسط عدد القضايا المعالجة لكل قاضٍ، بما يفوق 7600 إجراء سنويا”.
اعتبر بن الطيب، في مداخلته في اللجنة ذاتها خلال مناقشة مضمون التقرير سالف الذكر، أن الرقم المسجل “يستدعي تفكيرا جماعيا في آليات تخفيف العبء وتحسين شروط الاشتغال”، مثمنا ترشيد الاعتقال الاحتياطي، باعتباره أحد أبرز رهانات السياسة الجنائية الحديثة.
وتابع النائب عن فريق “الحمامة”: “أفضت آليات التنسيق المشترك، خاصة بعد إحداث اللجان الجهوية والمحلية، إلى خفض نسبة الاعتقال الاحتياطي إلى حوالي 31.79 في المائة من مجموع الساكنة السجنية”.
وفي سياق حماية الحقوق والحريات، أشاد المتدخل ذاته بما جاء في التقرير بخصوص “العناية الخاصة بالفئات الهشة، ولا سيما النساء والأطفال وضحايا الاتجار بالبشر والعنف القائم على النوع، وكذا الجهود المبذولة في مجال حقوق الإنسان والتعاون القضائي الدولي”.
وفي السياق ذاته، أكد على “ضرورة الانتقال من منطق التتبع والتوصيف إلى منطق التقييم الأثري للسياسات الجنائية، وقياس انعكاسها الفعلي على واقع الضحايا وعلى الإحساس المجتمعي بالإنصاف”.
وفي هذا الإطار، دعا فريق “حزب الحمامة” إلى “تعزيز التنسيق بين النيابة العامة وباقي المتدخلين في منظومة العدالة”، فضلا عن “تطوير آليات التتبع البرلماني لتنفيذ السياسة الجنائية”، وكذا “مواصلة مراجعة النصوص القانونية بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية”، خالصا إلى “الاستثمار أكثر في التكوين المتخصص لقضاة النيابة العامة، خاصة في الجرائم المستحدثة والجرائم الرقمية”.
فريق الأصالة والمعاصرة بالغرفة البرلمانية الأولى قال، على لسان عضوه سعيد اتغلاست، إن التقرير “وثيقة غنية بما توفره من معطيات ومعلومات وبيانات رسمية ودقيقة، معينة على فهم واستيعاب مختلف الإشكاليات القانونية والقضائية، وما يطرحه ذلك من تحديات، سواء على مستوى الفاعل الحكومي أو المشرع القانوني أو القاضي ومكونات الدفاع، ومختلف الممارسين، وكل أصحاب المصلحة”.
واعتبر اتغلاست أن “التقرير لا يقتصر فقط على عرض حصيلة رقمية لأنشطة النيابات العامة؛ بل يتجاوزه إلى إبراز التوجهات الاستراتيجية لرئاسة النيابة العامة، وعرض أوراش إصلاحية مفتوحة، وتحليل مؤشرات الأداء والنجاعة، وتقييم مدى تحقيق المقاصد الكبرى للسياسة الجنائية”.
وأضاف النائب عن فريق “الجرار” بالغرفة البرلمانية الأولى أن التقرير “ينهض بمهمة تجميع المعطيات الدقيقة حول سير العمل القضائي، فيحقق بذلك وظيفة توثيقية، ويسمح بقياس مدى تحقق الأهداف الاستراتيجية”.
ويستفاد من التقرير، وفق المتدخل سالف الذكر، أن “الجرائم الجنسية تحتل الصدارة، وأن العنف الجسدي يمثل الحيز الأكبر من بين القضايا المسجلة، وأن الاستغلال الاقتصادي يعرف تصاعدا خطيرا؛ مما يتطلب اتخاذ إجراءات وتدابير عاجلة، إلى جانب يقظة مجتمعية متواصلة وتحسيس إعلامي مستمر”.
وأوصى النائب ذاته بـ”جعل حماية النساء والأطفال محورا مركزيا في تنفيذ السياسات الجنائية، والرفع من عدد القضاة المتخصصين في قضايا الأسرة والطفل”. كما اقترح “تعزيز الفضاءات الخاصة باستقبال النساء والأطفال داخل المحاكم، وتقوية التتبع النفسي والاجتماعي للضحايا”، فضلا عن “مأسسة قاعدة بيانات وطنية خاصة بجرائم العنف ضد النساء والأطفال”، بالإضافة إلى “توسيع العمل بالعقوبات البديلة للحد من الاكتظاظ السجني، وتقوية آليات تتبع الاعتقال الاحتياطي وتطوير بدائله”، وكذا “تعزيز الموارد البشرية بشكل أكبر لتخفيف الضغط على قضاة النيابة العامة”.
ونادى عضو مجلس النواب بـ”تطوير المنظومة التشريعية الجنائية الوطنية لمواكبة المستجدات المرتبطة بالمجال الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي”، مضيفا ضرورة “تعميق التكوين المتخصص في الجرائم المستحدثة، خصوصا الجرائم السيبرانية والمالية”، وخالصا إلى أهمية “تعزيز الانفتاح على المجتمع المدني والجامعة، والاستفادة من البحث العلمي في تطوير السياسة الجنائية”.
أفاد الحسين تمصاط، عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، بأن “التقرير يحمل معطيات وبيانات ومؤشرات تُجسّد الإرادة القوية لرئاسة النيابة العامة في الإطار الدستوري لعملها ومدلولها الحقيقي، وانخراطها في ورش إصلاح منظومة العدالة الذي دعا إليه الملك؛ من خلال تحسين أداء النيابة العامة بمختلف محاكم المملكة، وتوسيع آلية التواصل والانفتاح على المحيط الخارجي من أجل جعل المواطنين في قلب السياسة الجنائية، وتمكينهم من الحصول على المعلومة في أبعادها القانونية والقضائية”.
وسجل تمصاط، ضمن كلمته، ما سماه “مواصلة النيابة العامة تنزيل إصلاح منظومة العدالة، خاصة فيما يتعلق بالأوراش والبرامج والتدابير الرامية إلى تقوية آليات تدخلها، وتجويد أدوات التدبير الإداري المتعلق بسير عملها، وتعزيز قدراتها التدبيرية؛ حتى تكون في مستوى المهام الموكلة إليها، خاصة فيما يتعلق بتنزيل السياسة الجنائية المرتبطة بتفعيل القانون المتعلق بالعقوبات البديلة”.
وأشار المتدخل إلى “ضعف” مسجل على مستوى “التعاطي مع الأهمية البالغة التي يكتسيها هذا الإطار القانوني، من أجل تخفيف الساكنة السجنية والاكتظاظ الذي تعاني منه السجون بشكل كبير، وكذلك عقلنة وترشيد الاعتقال الاحتياطي الذي لا يزال مستواه مرتفعا، رغم ما تم تسجيله خلال سنة 2024 من انخفاض مهم بنسبة 31.79 في المائة من مجموع الساكنة السجنية”.
واستحضر النائب عن فريق “حزب الميزان” المهام المنوطة بالنيابة العامة والمسؤوليات “الملقاة على عاتقها”، في ظل “التغيرات المجتمعية والتقلبات الإقليمية والقارية والدولية، ومكافحة جرائم الأموال، وضمان سلامة المواطن وحماية ممتلكاته، والدفاع عن الحق العام والنظام العام وصيانته وتكريسه”، في إطار “التمسك بضوابط سيادة القانون ومنهج العدل والإنصاف، بما يضمن تحقيق التوازن بين المقاربتين الأمنية والحقوقية”.
وتطرق تمصاط إلى “ضرورة تمكين النيابة العامة من الدعم اللازم لتطوير عملها وتحديثه، سواء من حيث الرفع من عدد القضاة بهدف تحسين أداء النيابات العامة بمختلف المحاكم وتعزيز دورها في تفعيل السياسة الجنائية ومعالجة القضايا بالسرعة المطلوبة، خاصة بالنسبة لملفات المعتقلين، أو من حيث تزويدها بالموارد اللوجستيكية الكفيلة بتطوير الأنظمة المعلوماتية لمختلف النيابات العامة، وتأهيل منظومة النيابة العامة وانخراطها في التحول الرقمي، من أجل تعزيز الثقة في القضاء بمختلف المحاكم”.
المصدر:
هسبريس